فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 28

يقبِّلون يديه ورجليه ويقولون:"نبني لك صومعتك من ذهب", قال:"أعيدوها من طين كما كانت".

فاضطر أن ينظر إلى وجه المرأة المومسة ليبرئ نفسه, واليوم ينظر الرجل ليل نهار إلى وجوه المومسات، وينظر إلى وجوه مَن هو شر منهن من الكفرة والمنافقين.

فمتى صبر العبد على طاعة الله وعلى ما يصيبه في سبيله أثابه الله مثوبة حسنة وأنزله منزلًا كريمًا وأناله شرفًا عظيمًا .. وأما الناس ففي مشقة وتعب، متألمين بغير احتساب، راجعين بغير ثواب، والمؤمن يحتسب المصيبة، ويدخر الثواب، ولذلك يزول عنه ألمها، وتذوب مرارة الصبر في حلاوة الطاعة وطعم الإيمان، فيذهب أثر المصيبة بعيدًا بحيث لا يضر المرء ثم يكون الإحسان.

والإحسان يكون فيما بينك وبين الله ويكون فيما بينك وبين الناس، وأصله الذي بينك وبين الله كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، ولو استحضر العبد هذا المقام، وأقام هذا المقام لما شعر بضغطة البلاء، ولا شدة المحنة؛ فإنه إذا كان مع الله - عز وجل - أي شيء يضره؟ يعبد الله كأنه يراه، فلو وصل إلى هذه الدرجة من القرب واستحضر معية الله في كل حال لم تَعْنِه الدنيا بأسرها فلا هي التي تفتنه بحسنها ولا هي التي تضره بسوئها.

وهذا نبي الله موسى - عليه السلام - والبحر أمامه قد تلاطمت أمواجه واشتد غضبه وكثر زبده، ومن ورائه فرعون وجنوده .. ملك كفور متكبر مغرور، وجند كثير، وشر مستطير, ثم أصحابٌ قليلون خائفون وجلون يقولون: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: من الآية61] ، فيقول: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين} [الشعراء: من الآية62] .

فهو بما وصل إليه من مقام الإحسان مطمئن غاية الاطمئنان فيضرب بعصاه البحر الكبير لينجو ويغرق الملك المغرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت