فهرس الكتاب
أنفسهم ليحصِّنوا فروجهم، ويضمنوا ألا تهيج عليهم شهواتهم، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم [4] .
على هذا الأصل المقرَّر المتَّفق عليه: يكون ختان المرأة أو خفاضها بقطع جزء من جسمها بغير مسوِّغ يوجبه: أمرا غير مأذون به أو محظورا شرعًا.
ثانيا: إذا كان قطع هذا الجزء من جسم المرأة، يترتَّب عليه أذى أو ضرر معيَّن لها، في بدنها أو نفسها، أو يحرمها من حقٍّ فطري لها، مثل حقِّ المتعة الجنسية مع زوجها, وحقِّ (الارتواء الجنسي) ، الذي جعله الله لبنات حواء بمقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها: كان ذلك محظورا شرعا، لأنه ضرر على المرأة أو الأنثى، فرض عليها بغير إرادتها، والإسلام يُحرِّم الضرر والضرار، لهذا كان من القواعد الفقهية المتفق عليها بين جميع الفقهاء: لا ضرر ولا ضرار، وهي نص حديث صحَّحه العلماء بمجموع طرقه، وهو تطبيق لمجموع نصوص قرآنية تمنع الضرر والضرار.
حتى وجدنا من الفقهاء مَن يمنع ثقب أذن الصبية، من أجل تحلِّيها بالقرط، مستدلا بأنه إيلام لها لم يأمر به الشرع، وخالفهم آخرون لأدلَّة قدَّموها.
ثالثا: خرج ختان الذكور من هذا الحكم، لما ورد فيه من أدلَّة شرعية ظاهرة، صحيحة الثبوت صريحة الدلالة، باعتباره من سنن الفطرة، ومن مواريث المِلَّة الإبراهيمية، واعتباره كذلك من شعائر الإسلام، كالأذان، وصلاة العيدين ونحوهما، ولإجماع المسلمين على هذه السُّنَّة منذ بدء الإسلام إلي اليوم، لم يُعرف شعب ولا قطر ولا قبيلة بالشذوذ عن هذه القاعدة. وقد أكَّد الحكم الشرعي هنا: إجماع أطباء العصر على ما في ختان الذكور من فوائد صحية وطبية جسيمة، ووقاية من أمراض شتَّى من السرطان وغيره، حتى ذكروا أن في أمريكا اليوم نسبة من المواليد (من 61 إلى 85%) يختتنون بعد الولادة، كما نشرت ذلك أشهر المجلات الأمريكية [5] ، ومن المؤكَّد أن نسبة اليهود والمسلمين المعروفين بالختان لا تبلغ هذا القدر، ومعنى هذا أن المسيحين أنفسهم بدأوا يتَّجهون إلي الختان من تلقاء أنفسهم، لما رأوا فيه من مصلحة لأولادهم.
ولهذا لا حديث لنا عن ختان الذكور، فهو أمر مُجمَع علي شرعيته وعلى نفعه، اتَّفق على ذلك الفقهاء والأطباء. كلُّ ما يوصَى به في ذلك: أن يزاوله الأطباء المختصُّون، بأجهزتهم الحديثة، في الأماكن المهيَّئة لذلك، بعيدا عن الممارسات التي لا تزال تقع إلي الآن في كثير من بلاد المسلمين، لا تتوافر فيها الشروط الصحية.
رابعا: إذا كان ختان الذكور مستثنًى من الأصل العام الناهي عن تغيير خلق الله، لما ورد فيه من نصوص صحيحة صريحة، قوَّاها وثبَّتها الإجماع النظري والعملي، فلا يوجد في ختان الإناث مثل ذلك ولا قريب منه. فيبقى على الأصل في منع إيلام الإنسان في بدنه لغير حاجة، فكيف إذا كان من وراء هذا الإيلام ضرر مؤكَّد، وفق ما يقوله أهل العلم والطب في عصرنا؟