الصفحة 72 من 113

كيف قوبلت دواعي الغواية الثلاث بدواعي العفاف الثلاث ، مقابلة صورت من القصص الممتع جدالا عنيفًا بين جندِ الرحمن وجند الشيطان ، ووضعتها أمام العقل المنصف في كفتي ميزان ، وهكذا تجد القرآن كله مزيجًا حلوًا سائغًا ، يخفف على النفوس أن تجرع الأدلة العقلية ، ويرفه عن العقول باللفتات العاطفية ، ويوجه العقول والعواطف معًا ، جنبًا إلى جنبٍ ؛ لهداية وخير الإنسان،ولا يوجد هذا بكلام البشر ؛ فكلامهم إن وفَّى بحق العقل بخس العاطفة حقها،وإن وفى بحق العاطفة بخس العقل حقه،وبمقدار ما يقرب من أحدهما يبعد عن الآخر؛نتج عن هذا تقسيم الأساليب البشرية إلى نوعين:"أسلوب علمي"و"أسلوب أدبي"؛ فطلاب العلم لا يرضيهم أسلوب الأدب ، وطلاب الأدب لا يرضيهم أسلوب العلم ، وهكذا تجد كلام العلماء والمحققين فيه من الجفاء ما لا يهز القلوب ويحرك النفوس ، وتجد في كلام الأدباء والشعراء من الهزال ما لا يغذي الأفكار ويقنع العقول ؛ ذلك لأن القوى العاقلة والقوى الشاعرة في بني الإنسان غير متكافئة ؛ وإن تكافأتا في شخص واحدٍ فإنهما لا تعملان دفعة واحدة ، بل على سبيل المناوبة ؛ فكلام الشخص إما وليد فكرة وإما وليد عاطفة ، وإما ثوب مرقع يتألف من جمل نظرية،تكون ثمرة للتفكير ، ومن جمل عاطفية تكون ثمرة للشعور،أما إن تأتي كل جملة من الجمل جامعة للغايتين معا فذلك أمر يستحيل الوصول إليه،وكيف يتسنى ذلك للإنسان وهو لم يوهب القوتين متكافئتين،ولو تكافأتا لديه فإنه لا يستطيع أن يوجههما اتجاها واحدا في

آن واحد متقارنتين، قال تعالى:?مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ? (1) ،أما

القرآن فإنه انفرد بهذه الميزة بين أنواع الكلام؛لأنه تنزيل من القادر الذي لا

يشغله شأن عن شأن (2) . أما في قوله تعالى: ? لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ? فقد قال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت