فهرس الكتاب
الآية ( 46 ) قال تعالى: ? يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ? .
القرآن الكريم مليء بالأساليب البلاغية التي تنبئ عن مدى الرقي في طرح المواضيع ، وعن ما بها من بلاغة نادرة ، ولنتتبع عبارات هذه الآية الكريمة ، فنجد أن الذي نجا وتذكر بعد مدة قد دخل على يوسف ، فقال:"يا يوسف"ووصفه بالمبالغة في الصدق بقوله:"الصديق"حسبما شاهده وذاق أحواله وجربها ؛ لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره ؛ فهو من باب"براعة الاستهلال"، وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود ، ومثاله في الشعر قول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية ، وكان أهل التنجيم زعموا أنها لا تُفتحُ في ذلكَ الوقت:
السَيفُ أَصدَقُ إِنباءً مِنَ الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ
وانظر أيها القارئ إلى الرقة وعذوبة الأسلوب في مناداته،وكيف أن عدم ذكر أداة النداء قد أشعرت بسموِ عاطفةٍ ونبلِ خلقٍ.ناهيك عن وصفه بالصديق، قال:? يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ? .
وحيث عاين علو رتبته عليه السلام في الفضل عبر عن ذلك بـ"الإفتاء"ولم يقل كما قال هو وصاحبه في السجن:"نبئنا بتأويله"ولننظر إلى الدقة في نقل الصورة وطرحه لمبتغاه فقال: ? أَفْتِنَا ? مع أنه المستفتي وحده ؛ وذلك إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره .
الآية (47) قال تعالى: ? قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ? .