ومن الشواهد على هذا الأسلوب قوله تعالى:"حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة."الآية (22) من سورة يونس.
الالتفات في الآية جاء بأسلوب الخطاب في قوله (إذا كنتم) ثم انتقل إلى الغائب (وجرين بهم) ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول (وجرين بكم) ، والعدول هنا من الخطاب إلى الغيبة؛ لسر بلاغي هنا هو للتعظيم والتعجب من فعل الكفار.
ويرى الزركشي الآتي:
كان الخطاب مع الناس مؤمنهم وكافرهم، بدليل قوله تعالى"وهو الذي يسيركم في البر والبحر"، فلو قال (وجرين بكم) للزم الذم للجميع.
لأنهم وقت الركوب خافوا الهلاك وتقلب الرياح بهم، فناداهم نداء الحاضرين؛ ولما جرت بهم الرياح ذكرهم الله بصيغة الغائب. (31) وهذا الأسلوب من الالتفات هو أول ما تنبه له البلاغيون القدامى منذ وقت مبكر كما ذكرنا، وإن لم يكن بهذا المفهوم.
5 -الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
ومن هذا الأسلوب قوله تعالى"وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا". الآية (12) من سورة فصلت.
انتقل الخطاب هنا من قوله (وأوحى) وهو أسلوب غيبة، إلى قوله (وزينا) وهو أسلوب تكلم، وقد عقب ابن الأثير على هذه الآية فقال:"فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت لمعانٍ اختصت بها، يعرفها من عرفها ويجهلها من جهلها" (32) .
ومن هذا قوله تعالى"سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله". الآية (1) من سورة الإسراء.
والالتفات في الآية هو بين (أسرى) وهو يدل على الغيبة وبين (باركنا) وهو يدل على التكلم، والسر البلاغي يتمثل في التعظيم.
ومن هذا القبيل أيضًا قوله تعالى"وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجًا من نبات شتى."الآية (53) من سورة طه.
الالتفات هنا بين (أنزل) وهو يختص بالغيبة وبين (أخرجنا) وهو يختص بالمتكلم.
والسر البلاغي هنا هوالتنبيه على تخصيص الله سبحانه وتعالى بالمقدرة. (33)