لقد عدلت الآية الثانية عن الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أن قائلًا مثل قولهم، ينبغي أن يكون موبخا ، وتوبيخ الحاضر أبلغ في الإهانة من الغائب.
ومن هذا قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم) الآيتان (92 و 93) من سورة الأنبياء.
عدلت الآية (93) عن المخاطب إلى الغائب لغرض التوبيخ قائلًا لهم:"ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله فجعلوا أمر دينهم به قِطعًا تمثيلًا لأخلاقهم في الدين. (50) "
7 -لغرض التنبيه على الضلال، ومن ذلك قوله تعالى: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون، وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) . الآيتان (169 و 170) من سورة البقرة. والضمير في"لهم"عائد على الناس، وفي ذلك عدول من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات.
وهذا في نظر الزمخشري"نداء على ضُلاّلهم ؛ لأنه لا ضلالة أضل من المقلد. كأنه يقول: للعقلاء انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون" (51) .
8 -لغرض المدح، كقوله تعالى:"وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون". فهذا كما يرى الزمخشري"التفات حسن ... فهو أمدح لهم من أن يقول:"فأنتم المضعفون". (52) "
9 -لغرض زيادة الإنكار واللوم. كقوله تعالى:"عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى"الآيات (1 - 3) من سورة عبس.
الالتفات هنا من الغيبة في الشطر الأول وهو (أن جاءه الأعمى) إلى الخطاب في الشطر الثاني وهو (وما يدريك) "دليل على زيادة الإنكار كمن يشكو إلى الناس جانيًا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني بالتوبيخ وإلزام الحجة." (53)
والحق بعد هذا نقول: إن أسلوب الالتفات في القرآن الكريم يُعد فنًا جماليًا اختص به وازدهر في ظلاله أكثر من الشعر.