والسؤال الذي يضع نفسه بعد هذا، لماذا ازدهر مصطلح الالتفات في ضوء شواهد القرآن الكريم ولم يزدهر في الشعر العربي مع أن الالتفات أسلوب من أساليب العرب، وعادة من عاداتهم كما ذكرنا ؟ .
وللإجابة عن هذا السؤال، نقول: إن مصطلح الالتفات لم يُحدد مفهومه كمصطلح بلاغي إلا في وقت متأخر، وفي مقدمة من حدد ذلك المصطلح بمدلول بلاغي (الزمخشري المتوفى سنة 538هـ) ، حيث كان مفهوم المصطلح قبل ذلك متداخلًا مع بعض المصطلحات البلاغية الأخرى: كالاعتراض، والتجريد، والتذييل، والاستدراك؛ وذلك على الرغم من إشارة النقاد إليه في الشعر العربي منذ وقت مبكر؛ إلا أن شواهده في الشعر العربي ظلت محدودة ؛ ومنها ما استشهد به الزمخشري لامرئ القيس: (54)
تطاول ليلك بالإثمد
وبات وباتت له ليلة
وذلك من نبأ جاء ني ... ونام الخلي ولم ترقد
كليلة ذي العائر الأرمد
وخُبِّرته عن أبي الأسود
فإنه التفت من خطاب نفسه إلى المخاطب فقال: (ليلك) ومقتضى السياق أن يقول: (ليلي) وقال: (ولم ترقد) ومقتضى السياق أن يقول: (ولم أرقد) ، ثم قال: (وباَتَ) التفات من الخطاب إلى الغيبة، ومقتضى السياق أن يقول: (بتُ) و (باتتْ) ثم قال: (جاءني) التفات من الغيبة إلى التكلم.
وإذا انتقلنا إلى ابن الأثير، فسنجده يؤكد على وروده في فصيح الشعر العربي، ويمثل له بقول أبي تمام: (55)
يُصرِّف مسرا ها جذ يلُ مشارقٍ
إذا العيسُ لاقتْ بي أبا دُلَفٍ فقدْ
هُنالِك تَلْقى الجودَ من حيث قُطِّعت ... إذا آبهُ همٌّ عُذ يقُ مغاربِ
تقطّعَ ما بيني وبين النّوائبِ
تمائمُهُ والمجدَ مُرخَى الذوائِبِ
(الجذيل) تصغير جذل، وهو عود ينصب للجربى من الإبل لتحتك به، و (عذيق) تصغير (عذق) وهو الفرع من النخلة و (آبه) أتاه ليلًا. و (التمائم) خرزات تعلق في عنق الصبي لدفع المكروه عنه.