ولعل الأصمعي نظر هنا إلى التحول من معنى إلى معنى، إذ انتقل الشاعر من توديع سلمى له، إلى الدعاء للبشام وهو عود الأراك،"تراه مقبلًا على شعره إذ التفت إلى البشام فدعا له".
ولم يكن الأصمعي متفردًا في إشارته إلى الالتفات، بل شاركه النقاد والبلاغيون من بعده، فهذا (ابن قتيبة) المتوفى (276هـ) أشار إليه في باب"مخالفة ظاهر اللفظ معناه"، ومثل له بالآية السابق ذكرها. (6)
وقال عنه (المبرد) المتوفَّى (285هـ) :"والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد، ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب". ومن أمثلته على ذلك، الآية السابقة"حتى إذا كنتم في الفلك ..."فأوضح أن المخاطبة"كانت للأمة، ثم انصرفت إلى النبي إخبارًا عنهم" (7)
ومهما يكن من مفهوم الالتفات عند هؤلاء البلاغيين في هذه المرحلة - من تطور البحث البلاغي - فإنهم قد أشاروا إليه كفن بلاغي ينبغي الوقوف عليه والاهتمام به، وذلك بالنظر إلى المعنى وليس إلى اللفظ ، وهو ما فعله ابن المعتز في حصره لمصطلحات علم البديع، فقد جعله في مقدمة محاسن الكلام،
وقال عنه:"هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة ..." (8) .
وأدخله قدامة بن جعفر في نعوت المعاني وقال:"هو أن يكون الشاعر آخذًا في معنى فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن، بأن رادًا يرد عليه قوله، أو سائلا ًيسأله عن سببه، فيعود راجعًا إلى ما قدمه، فإما أن يذكر سببه، أو يحل الشك فيه" (9)
والالتفات عند أبي هلال العسكري على ضربين: ضرب يتفق مع رأى ابن المعتز، وضرب يتفق مع ما قاله قدامة، ولم يضف شيئًا جديدًا إلى أقوالهما. (10)
وذكر ابن رشيق أن ابن منقذ سماه"بالانصراف"، وسماه قوم"بالاعتراض". (11)