وهذا الاختلاف في مفهوم الالتفات عند البلاغيين يؤكد ويبين أن التسمية كانت مضطربة، والمعنى غير واضح، مما يدل أن البلاغيين لم يستوعبوا مدلوله بشكل واضح، بل ولم يتعمقوا في مدلوله، وجعلوه من مباحث علم البديع ؛ حتى جاء الزمخشري فتعمق في مفهومه وعَرّفه تعريفًا بلاغيًا مُعَللًا، إذ استوعب مدلوله اللغوي، ووظيفته البلاغية فقال: وهو يفسر قوله تعالى"إياك نعبد وإياك نستعين"الآية (5) من سورة الفاتحة.
"فإن قلت لمَ عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم ... وذلك على عادة تفتنهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطريةً لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد". (12)
وفي ضوء هذا المفهوم البلاغي للالتفات عند الزمخشري، نجد أن مصطلح الالتفات قد اكتمل مدلوله اللغوي والبلاغي معًا، وأصبح له قيمة بلاغية لم تكن موجودة عند البلاغيين من قبله، مما يجعلنا نقول: إن الالتفات وأسرار بلاغته من إضافة الزمخشري.
وخير شاهد على ذلك أن البلاغيين من بعده تمثلوا بمفهومه وبأمثلته وفي مقدمتهم السكاكي، وجمهور البلاغيين من بعده (13) ، ولم نجد من يخالفه من البلاغيين إلا ابن الأثير؛ مع أنه تأثر به وسار على منهجه، ووجه المخالفة عند ابن الأثير هو أن الزمخشري نص على أن انتقال الكلام من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظًا للإصغاء إليه.""
وهذا المفهوم لم يستحسنه ابن الأثير؛ لأن السر البلاغي عنده يتعلق بفائدة بلاغية ليس لها ضابط ولا تحد بحدٍ، ووراء ذلك أسرار بلاغية كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه، أو على حسب موقعها في البلاغة (14) وهو ما سيأتي معنا في شرح أساليب الالتفات بعد هذا.
?وقد رد العلوي على ابن الأثير بوجوه كثيرة من أهمها: