الصفحة 7 من 23

وهو عند ابن الأثير"خلاصة علم البيان التي حولها يدَندَن، وإليها تستند البلاغة"، ولهذا وصفه وصفًا عجيبًا يميزه عن المصطلحات البلاغية الأخرى، إذ سماه"بشجاعة العربية"والتي تعني الإقدام، وذلك"أن الرجل الشجاع يركب مالا يستطيعه غيره، ويتورَّد ما لا يتورده سواه"ثم قصره على اللغة العربية دون غيرها من اللغات. (19)

وهذا ما استحسنه العلوي وأكد عليه قائلًا:"ولاشك أن الالتفات مخصوص بهذه اللغةالعربية دون غيرها" (20) ، وهذه الدعوى من ابن الأثير والعلوي هي دعوى ظنية؛ إذ لا يمكن أن يكونا قد أحاطا معاَ بكل اللغات،ولعل دعواهما هذه من باب المبالغة وليس على سبيل الجزم.

وتأتي مكانة الالتفات من وظيفته البلاغية كما سبق أن ذكرنا، وهذا ما بينه الزمخشري قائلًا:"هو فن من الكلام فيه هز وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيًا عن ثالث لكما: إِن فلانًا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرِط منه، ثم عد لت بخطابك إلى الثالث فقلت يا فلان، من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه ... وأوجدته بالالتفات من الغيبة إلى المواجهة، هازًا من طبعه ما لا يجده على لفظ الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث، والخروج منه من صنف إلى صنف يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول" (21) .

وخير شاهد على مكانة الالتفات عند البلاغيين، امتداح السكاكي له وهو الذي انتهت إليه البلاغة العربية، إذ يؤكد أن هذا الفن"لا ينقاد إلا للبلغاء والمهرة في فن البلاغة والعلماء النحارير، ومن اختص وقعه بشيء من ذلك كساه فضل أبهة ورونقًا وأورث السامع زيادة هزة ونشاط ... إن كان ممن يسمع ويعقل"وهو مما يشهد له الوجدان في نظره، ويغنيه عن شهادة من سواه. (22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت