ثم جاء قوم بعد عهد الصحابة والتابعين، فأدخلوا علوم اليونان من المنطق والفلسفة إلى دين الله سبحانه وتعالى، وكان قصد الكثيرين منهم الخير، وذلك ليكون لهم -كما ظنوا - أقوى في الاستدلال لمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بطريق المنطق والفلسفة، فماذا أدى بهم ذلك، لقد صدهم ذلك عن الغاية الكبرى وهي فهم كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وشغلهم عنها، ثم أورثهم ذلك الزهد في الكتاب والسنة ثم كانت النهاية إبطال الاستدلال بالكتاب والسنة بطرق شتى ملتوية ومغلفة، ونتج عن ذلك أنواع من الكفر البواح كإنكار أن يكون القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، أو أن تكون السنة حجة ملزمة للمتنازعين أو أن لله أسماء أو صفات تليق بذاته وجلاله، وهل هذا إلا الكفر المحض نسأل الله السلامة والعافية . ثم انتقل الشيطان إلى ناحية أخرى بعدما هيئ المناخ الملائم من نشو الإعراض عن الكتاب والسنة إلى الذوق والعقل، فوجه سهامه الخبيثة إلى أصل الدين الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم ألا وهو توحيد العبادة والألوهية، فأوحى إلى هؤلاء المتأخرين كما أوحى إلى المتقدمين، البدعة العظيمة المفضية إلى الشرك الأكبر الصلاح، فأوحى إليهم الغلو في الصالحين، ورفعهم فوق منزلتهم، مع وضوح الأدلة وجلائها في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغلو فيهم كقوله تعالى:"قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم"وكقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
ومع ذلك كله انتشر بين فئات ليست بالقليلة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الغلو في الصالحين، بصور شتى وأشكال متنوعة فمنها: