الفقهاء: الأحناف، وهو ما قرره أنور الكشميري في كتابه فيض الباري شرح صحيح البخاري ( 1/ 53-54) إذ قال"الإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء اعتقاد وقول وعمل قد تقدم الكلام - يعني في كتابه هذا - على الأولين: أي التصديق والإقرار بقي العمل هل هو جزء للإيمان أم لا؟."
فالمذاهب فيه أربعة: الخوارج والمعتزلة قالوا: إن الأعمال أجزاء للإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما، ثم اختلفوا: فالخوارج أخرجوه من الإيمان وأدخلوه في الكفر، والمعتزلة لم يدخلوه في الكفر
وقالوا بمنزلة بين المنزلتين.
والثالث - مذهب المرجئة، قالوا: لا حاجة للعمل ومدار النجاة هو التصديق فقط.
فصار الأولون والمرجئة على طرفي نقيض.
والرابع - مذهب أهل السنة والجماعة وهم بين بين، قالوا: إن الأعمال لا بد منها، لكن تاركها مفسق، لا مكفر، فلم يشددوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يهونوا أمرها كالمرجئة.
ثم هؤلاء - أي أهل السنة والجماعة - افترقوا فرقتين، فأكثر المحدثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال [1] ، وإمامنا الأعظم - رحمه الله تعالى - وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، مع اتفاقهم جميعًا على أن فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء، لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها، بل يبقى الإيمان مع انتفائها [2] .
وإمامنا أبوحنيفة وإن لم يجعل الأعمال جزءً، لكنه اهتم بها وحرض عليها وجعلها أسبابًا سارية في نماء الإيمان، فلم يهدرها هدر المرجئة، إلا أن تعبير المحدثين القائلين بجزئية الأعمال، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم - رحمه الله تعالى - فإنه كان أقرب إليهم
(1) هذا قول أهل السنة.
(2) هذا مذهب المرجئة، أما أهل السنة فعلى التفصيل كما سيأتي قريبًا.