من حيث نفي جزئية الأعمال: رمي الحنفية بالإرجاء، وهذا كما ترى جور علينا، فالله المستعان.
ولو كان الاشتراك مع المرجئة بوجه من الوجوه التعبيرية كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزم نسبة الاعتزال إليهم، أي: إلى المحدثين،فإنهم، أي المعتزلة، قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله عمن تعصب ونسب إلينا الإرجاء، فإن الدين كله نصح، لا مراماة ومنابزة بالألقاب! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم )) انتهى.
قلت: فهذا الكشميري - وهو حنفي متعصب - يقرر مذهب الأحناف: مرجئة الفقهاء وأنهم يرون أن تارك الأعمال فاسق مع أنهم لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه بالأعمال، ولا أنها من الإيمان فما الفرق بينهم وبين من يعتقد ويقول بالزيادة والنقصان بالأعمال وأنها من الإيمان, لكن في كماله لا في أصله؛ فأصله باق بعد تخلف الأعمال فلا يلحقه النقصان، أما أهل السنة فيقولون:"ينقص حتى لا يبقى منه شيء"فمفارقة الفريقين لأهل السنة واضحة بينة.
والخلاف بين الأحناف وبين هذه النابتة إنما هو في الألفاظ وليس في الحقيقة وهو خلاف أصيل بينهم وبين أهل السنة والجماعة كما قرره كثير من علماء أهل السنة مع الأحناف؛ لأنه يأثم عند هؤلاء وهؤلاء، فالأحناف لا يجعلون الأعمال من الإيمان ولكنهم يؤثمّون بترك الواجب وفعل المحرم منها-مع الالتزام القلبي عندهم الذي لا يقول به هؤلاء-, ويأثم عند هؤلاء بترك الواجب وفعل المحرم منها كذلك كما يأثم عند الأحناف، ولكنهم جعلوها من الكمال .
فهم متفقون مع الأحناف على أن أصل الإيمان يبقى بدون الأعمال إلا أن الأحناف يقولون لا تسمى الأعمال إيمانًا، وهؤلاء يقولون نسميها إيمانًا، ولكنها ليست من أصله.
فالخلاف بينهم في نقطة واحدة فحسب وهي أن الأحناف لا تسمي الأعمال إيمانا،ً وهم يسمونها إيمانًا، والنتيجة واحدة عند الجميع، وهي: بقاء أصل الإيمان بدون الأعمال وأن تارك الأعمال الواجبة ( جميع الأعمال) ثابت له