فإن قيل: هل من قال بهذه المقالة لا ينسب لمذهب السلف لمخالفته لطريقتهم؟ فالجواب عن ذلك أن يقال: هم متبعون للسلف في المسائل التي وافقوا فيها السلف، أما هذه المسألة فهم ليسوا على مذهب السلف فيها، وخطأ الإنسان في مسألة أو مسألتين لا يجعلنا نطلق اسم الذم عليه مطلقًا؛ حتى في التأثيم، فإن المخطئ الذي لم تصله الأدلة الشرعية لا يستحق الإثم على الصحيح ما دام قد بذل وسعه في الوصول إلى الحق ولم يتمكن، كما هو مذهب السلف حتى لو كان في مسائل الاعتقاد؛ لقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } [التغابن: 16] ، وقوله سبحانه: { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } [الأحزاب 5 ] ، حيث نفى الله الجناح والإثم عن الخطأ من المسلمين والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقرر أهل الأصول، فيشمل الخطأ في الاعتقاد.
قال تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء 115] .
فيستفاد من الآية بطريق دليل الخطاب أن الله لا يؤاخذ أحدًا إلا بعد أن يتبين له الحق وتقام عليه الحجة.
فأما إذا وصلت هذه الأدلة القاطعة للمكلف بحيث أمكنه إتباعها ثم خالفها تفريطًا في جنب الله وتعديًا لحدوده فلاشك أنه مخطئ آثم، وأن هذا الفعل سبب لعقوبة الله في الدنيا والآخرة [1] ...
ومن العجب أن بعض هؤلاء المتأخرين ينسب قولهم هذا لابن تيمية وهو يصرح بخلافه في مواطن عديدة من كتبه، خذ مثلًا ترجيحه أن تارك الصلاة يكفر، - وأيضًا - قوله:"وقد قال الله تعالى: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } [النور:47] "
(1) روضة الناظر لابن قدامه 1/148