فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 94

أسرع ... أسرع، ساقاي تتخشبان، قلبي يكاد يتوقف، يجب أن أصل قبل أن يرتفع الضباب.

هذه الرؤيا ليتها تتكرر ثانية ... الحديقة الساحرة محفورة في قلبي، أحملها وشمًا رائعًا ... النخلات السامقة بفروعها المتدلية، المدرجات السندسية بخضرتها النضرة، والمقاعد الخشبية التي حال طلاؤها فأعطاها القِدم لونًا مميزًا والنهر الرقيق ينساب بهدوء، والضباب أزرق ساحر ينبع من الأرض يغلف سوق النخل، يوشح الحديقة بهالة قدسية وجمال.

هزني المنظر، شَعرت وكأن تيارًا يسري منه إلي، ذابت قوقعتي، تكسرت، احتويته بعيني وقلبي وحواسي، اجتاحني التأثر، كدت أبكي، تمنيت أن أصلي.

في كل يوم أركض لأرى الحديقة، لكن الشمس تسبقني، الندى يجف والضباب الأزرق يتبدد والأيام رمادية كئيبة.

لماذا آمل وفي كل يوم أخيب، ليت الرؤيا تعود ولو مرة واحدة لأوقن أن ما رأيته كان حقيقة.

الباصات اللاهثة، الركاب المزدحمون، المقهى العجوز والموظفون المسرعون يتبادلون تحية الصباح على الأرصفة وكأن العصا تقرعهم.

الشوارع أنهار تسيل بالناس، إعلانات السينما، صفارة الشرطي، وهذا المغرور الذي يلاحقني بسيارته.

هذا هو عالمي اليومي، أما الرؤيا فتخادع، تغيب وكأنها لم تكن.

لماذا تختفي من حياتنا الأشياء الجميلة؟... لماذا اختفى؟ لماذا انتهت القصة؟..

قال:

ـ أنت مراهقة أمامك الكثير حتى تصبحي ناضجة.

وقلت:

ـ أنت تافه.

أسرع والسيارة تسير الهوينى، عيناه تخترقانني، ابتسامته الوقحة تجرحني.

"كان وسيمًا رائع السمرة، عيناه كهفان عميقان مسحوران، هذا المغرور يشبههه، الرأس المعتد، الفودان الأبيضان، القامة الطويلة، شهقت عندما سكنوا الشقة المقابلة لنا ظننته هو ثم اكتشفت أنه يشبههه فقط".

يبدو أنه زوج سعيد، أراه في الأصائل على شرفتهم يحادث زوجته، يحتسيان القهوة، ابنتهما في العاشرة تقفز حولهما، وابنهما في الشرفة الثانية يغازل ابنة الجيران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت