فهرس الكتاب
في الطريق من المستشفى إلى المقهى كان سعيدًا، مرحًا.
ـ أتمنى أن أركض في الشارع كالأطفال.
بدأنا نركض، ثم توقفنا، ضحكنا من أنفسنا.
ـ تصور لو أن أحدًا ممن يعرفنا رآنا نركض كالمجانين.
في المقهى الهادئ حدثني عن بلدته الصغيرة، وبيئتها المحافظة، قال بحزم واختصار إنه قرر ترك البيت إثر خلاف مع أهله وجاء ليعيش في دمشق وحيدًا.
عمل ودرس وأحب وخاب، وتخرج أدى الخدمة العسكرية، تعاقد مع مركز جراحة القلب لمدة ثلاث سنوات، وبعدها سيذهب إلى فرنسا ليكمل اختصاصه.
ظن أنه يستطيع أن يتابع الرحلة وحيدًا ولكنه بحاجة إلى من يشاركه الطريق، وعندما عرفني أحس أنني قد أضأت حياته، وأعطيته السعادة والأمان اللذين يتوق إليهما، فقد وجد في بساطتي وقلبي المفتوح المملوء فرحًا ملاذًا جعل للحياة معنى جميلًا.
والآن وهو يفاتحني بحبه متأكد من أنه يضع ثقته في إنسانة جديرة بالثقة، بعد أن هزته تجارب مضنية مر بها أضافت إلى شكه بالآخرين قاعدة من الواقع لا التخيل...
وفجأة باغتني بالسؤال:
ـ وأنت ألا توجد في حياتك قصة ماضية؟
فوجئت، شعرت أن قلبي قد وثب من موضعه وأن وجهي قد اشتعل، التقت نظراتنا، لابد وأنه قرأ الجواب، لا أستطيع أن أنكر:
ـ كان في حياتي، أما الآن فلا يوجد.
ـ من؟..
ـ زميل، ظننت أنني أحببته ثم اكتشفت أنني مخطئة.
هل رأيت نظرة شك؟.. هل رأيت تصديقًا؟ وسقط بيننا صمت قطعه قائلًا:
ـ ليس هناك شجرة لم تهزها الريح، ما يهمنا هو الحاضر، ولكن لا أحب الاختلاط بالزملاء.
عبرت بيننا سحابة صمت، فضحك يقول:
ـ من أجلك أيضًا لئلا تنشغلي عن دروسك، أريدك أن تتخرجي بأسرع وقت فأنا أريد أن أذهب إلى فرنسا لأختص.
قلت سعيدة:
ـ وأنا يا عمار أعد الاختصاص هدفًا أساسيًا في حياتي.
ـ التقت أهدافنا، حددي لي موعدًا للقاء أبيك، ولكنني سأصارحك بأنني لا أستطيع أن أوفر لك المستوى المادي الذي تعيشين فيه.
قلت بصدق: