فهرس الكتاب
شيء في أعماقه يتآكل، يجعله على الدوام متحرقًا، أحس عينيه معي في كل مكان، أحس بثقل نظراته، يتبعني حتى قاعة المحاضرة... في الممرات... في المقصف، لم يعد لدي شك بأنه يراقبني، أحيانًا أضبطه فيتعلل بأسباب أتظاهر بتصديقها.
أحسست بالتعب، تمنيت هواء جديدًا أتنفسه، ووجوهًا غير التي أعرفها، أحس أبي بعذابي، عرض علي أن نقوم برحلة إلى إيطاليا، وبعدها أفكر بهدوء إن كنت سأستمر أم لا.
في إيطاليا نسيت عذابي، وتساءلت هل أنا سعيدة لأنني ابتعدت عن عمار؟.. إذن لماذا لا أنهي العلاقة؟
ولكن عمارًا لو كان معي هنا بعيدًا عن الجامعة وعن دمشق ألن يتغير؟... لو خرج من جو الشكوك المحموم ألن يستعيد صفاء نفسه؟... ربما كان بحاجة إلى تغيير.... إلى ثقة وعلي أن أعيد الثقة إلى نفسه.
بهذا القرار عدت إلى دمشق، متزنة، قوية، إن رأى أن نكمل الطريق، فسأسير معه، وإن رأى أن نفترق فلقد أخذت شحنة من الراحة تكفيني لمواجهة هذه الأزمة.
استقبلني بفرح، حدثني عن انتظاره وحبه، قلت لقد عاد عمار كما كان... الطيب المحب... لكنه سرعان ما خيب ظنوني، هاهو الغضب يشتعل في نفسه ثانية....
ـ ما الذي تريده أمك من الحديث عن خطيب ابنة أختها؟ أتظنني غبيًا لا أفهم... قولي لها كفاها تجريحًا أنا لا أستطيع أن أصبح مثله.
لماذا تتلذذ والدتك بتعذيبي؟ ووالدك لا هم له إلا الحديث عن الدخل في السعودية؟...
أهلك يريدون أن يبعدوك عني، وأنت يا ندى تغيرت، قولي إنك تحبينني بلا بيت ولا سيارة ولا رصيد في البنك، رصيدي هو حبي فلماذا لا تفهمينني؟...
صمت برهة ثم حدق إلي بعمق:
ـ يجب أن نتزوج يا ندى، ليس شرطًا أن تصبحي طبيبة، أحبك لذاتك اتركي الجامعة.
توهجت نظراته:
ـ يجب أن تتركيها، اختاري بيني وبينها.
وراح يهزني من كتفي، أحسست أنني أمام إنسان مجنون، كان أقصى ما أتمناه أن أهرب من أمامه.... خلعت خاتم الخطوبة وانطلقت أجري بكل قوتي.