فهرس الكتاب
تتصل، تبعث لي الرسائل، تحاول أن توقظ نائمًا في أعماقي ولكن كيف لها أن تفعل؟ شيء تكسر في أعماقي تناثر، أحس خواء بداخلي.. مفرغ.. أجوف.. مكسور.
أسمع صوت زميلي يتمتم:
ـ المسكين مريض.
المسكين أنا، المريض أنا، أنا من يشفق عليه الناس وستصبحين المسكينة يا ندى، ستحزنين على نفسك ويحزن عليك الناس.
سأترك البلد وأهاجر عصفورًا طليقًا، أحقق كل ما أريد وأتركك للوحدة، شائكٌ هو الدرب الذي دفعتني إليه ولكنني سأسير حتى نهايته.
أفيق من شرودي على صوت زميلي يقول:
ـ زائر لك يا عمار.
رجل أصلع بنظارتين يقول:
ـ أنا صديق والد ندى وقد اتصل بي وطلب مني أن أحدثك بشأن الطلاق.
أتأمله ساخرًا وأكتم ضحكة في أعماقي.
أقول له:
ـ من قال أني أريد طلاقها؟ إني أحبها، لم يبق إلا شهور وأعود إلى دمشق لنتزوج.
حدق فيّ غير مصدق:
ـ تصرفاتك معها، رسائلك الغامضة، رفضك الحديث معها؟.
ـ سحابة غضب وانجلت.
مكوك الوالد يأتي مجهدًا، يحاورني، يحاول إقناعي وأنا أٍسخر منه ومن العينين الغبيتين والكرش البليد.
ـ لقد أتعبتني معك، هل تعرف المشقة التي أتكلفها للحضور إليك؟.
ـ لماذا تتعب نفسك، قل لوالدها أن يأتي إلي.
سأرغمه على المجيء إلى المنفى الذي قذفني إليه وسأرفض الطلاق.
قال زميلي وهو يخرج:
ـ اشترِ نفسك من هذا الحقد وخل سبيل الفتاة إنك تقتلها.
بعد ساعات سمعت أصواتًا ولغطًا، أطللت من النافذة رأيت حشدًا أمام المستوصف صاح بي أحدهم:
أسرع يا دكتور... زميلك الدكتور محمود انقلبت به السيارة.
كان محمود غارقًا في دمائه، نظر إلي ثم أسلم الروح بين يدي.
في المقبرة المجاورة واريناه، تلة تراب تقول هنا يرقد إنسان كان اليوم يحيا يتكلم يحلم يملأ الدنيا بصخبه أعود إلى البيت أرى سريره ثيابه أكاد ألمحه، أسمعه، تعتريني رعشة أخرج إلى الشرفة أعود إلى الغرفة.