فهرس الكتاب
طيور فرح خفقت في قلبي خفقًا عنيفًا، تصاعدت الدموع إلى عيني، كدت أندفع إليه أقبله، كدت أنسى إساءاته، ولكن لا، يجب أن أحافظ على وجهي خاليًا من الانفعال وأن أكتم فرحتي وإلا سيدرك مدى لهفتي للسفر فيتخذ منه أداة لإذلالي.
أشرقت القاهرة في عيني.. أشعت ضياء، عاودني الفرح، أزهر في قلبي الشوق إلى أمي وأبي وأخوتي.. بيتنا وشرفتنا وشارعنا.. شعرت بالقاهرة تنبض في قلبي ذكريات وأفراحًا، رحت أعد الأيام المتبقية ولكن..
قبل السفر بأسبوع قلت له:
-أعطني بطاقة البنك أريد ن أشتري بعض الثياب قال لي بلا مبالاة:
-عدلت عن السفر.
نظرت إليه وأطلت النظر، أريد أن أعرف مكمن الخطأ، لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ لماذا يعذبني؟
هل هو مريض؟ إن كان مريضًا فأي شقاء ستكون حياتي معه؟ وإن كان يريد مزيدًا من فرض شخصيته فأي إنسان تافه تزوجت؟
لأحفظ كرامتي ولأفوت عليه فرصة الفرح لحزني تظاهرت بعدم الاهتمام، ولكن بعد أيام اكتشفت بطاقات السفر في جيب سترته.
لم أشر إلى هذا الاكتشاف بينما راح هو يدفعني دفعًا كي أطلب منه السفر، لكنني صممت أن أخيب أمله وأن أتظاهر بأن الأمر لا يعنيني، بل أوحيت له أني أفضل البقاء لأنني سأستغل الصيف في رسم بعض اللوحات.
رحت أتابع مناوراته التي يقوم بها كي أرجوه أن نسافر فيستجيب لرغبتي ويظهر بمظهر الكريم العطوف، يخادعني وأنا عارفة بالحقيقة فأروح أراقب انفعالاته المزيفة فأقرف منه وأرثي لنفسي.
لم أشعر بالأمان إلا بعد أن أقلعت الطائرة، كان مشدود الأعصاب، قليل الكلام، لكن قبل أن نصل بقليل داخله الرضا فقال:
-لقد أساء والدك بتصرفاته، ولكنني لن أفتح معه هذه الموضوعات، سأنسى كل شيء عدا أننا سنسعد بإجازتنا.
عندما عانقت أمي وأبي في المطار أحسست بفرح طفلة عادت إلى جناحي أبويها.. يا الله ما أصدق حب الأهل! ها أنا أعود إلى البيت الذي نشأت فيه، أمي بنظراتها الحانية وأبي بعينيه المحبتين وإخوتي بمزاحهم ومداعباتهم.