لم أعد أثق بك يا نجم، وصلتني الشائعات، فنغل الشك في قلبي ولكن أخاف أن أواجهك فتصعقني بحقيقة أتمنى الموت قبل أن أعرفها، وقرأ الاتهام في عيني فأغضى، وجهت حديثي وجهة عملية قلت له:
-إن علم لن يسكت.
قال:
-لكل شيء بداية، يجب أن أجرب.
شعرت بالخوف قلت:
-لن أرافقك.
قال:
-أتفاءل بوجودك.
تتفاءل بي أم تريد أن تتخلص مني ليخلو لك الجو معها؟ هي الآن طليقة تنعم بما أغدقته عليها من مال وأنا سجينة! السجن للرجال فهل سمعت عن امرأة سجنت؟
سيصل الخبر إلى المدينة، تتلقفه الأسماع المتعطشة للفضائح، تلوكه الألسنة، يعرفه أولادك وأهلك، جلنار في السجن أين يخبئون عيونهم من الناس؟
ريم يا حبيبتي المسكينة ماذا تفعلين الآن؟ أرى نظرتك الحزينة أرى الذل في جبينك الناصع، منصور ومأمون صغيران ولن يفهما الأمر، أما أنت فستجرح روحك حتى الأعماق.
ساعدني يا رب لأحتمل الزنزانة والوحدة والظلمة الزاحفة، ساعدني لأطرد هذا الخوف من ثعبان يختبئ، من عقرب يلطي في زاوية من هذا المكان المريع.
في مثل هذا الوقت كان بيتي يغرق بالأنوار، الخادمة تشعل الشموع فتتراقص الأضواء ناعمة، تكسو البيت بغلالة من نور وجمال... في مثل هذا الوقت كان الأولاد يزقزقون حولي، يدخل نجم يتواثبون عليه، يداعبهم ثم نجتمع للعشاء.
يتحرك الباب، يصر، تدخل حزمة من الضوء، أرى ظلًا، هل سيدخل الحارس إلي؟
حارس وسجينة، وكدت أصرخ رعبًا لملمت جسدي، تضاءلت، تمنيت لو أن في الأرض حفرة لأغور فيها، أحسست بقلبي يتوقف عن الخفقان، غمرت رأسي بين ركبتيَّ.
جاء صوته:
-هذا عشاؤك.
رفعت رأسي، رأيت الظل ينسحب، قرب الباب كان هناك صحن، ثم انغلق الباب وغاب الضوء.
شمس تطلع وأخرى تغيب وأنا غارقة في غيابة بئر مظلم.
يا رب نجني لأطيعك، يا رب امسح عني الخوف والحزن، اغمر قلبي بعطفك، أنا الخاطئة الضعيفة، البائسة.. سأتوب عن ذنوبي وأتعبد لك... ما أتفه مباهج الدنيا إذا ما قيست بآلامها؟