فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 94

كنت أقلب الصحيفة أحاول أن أدفع بها سخافة الانتظار في قاعة المسافرين عندما انسابت إلى أنفي هذه الرائحة المميزة.. غرقت في خضرة الشجر.. وشدو العصافير.. وغناء الجداول.. والضياء.. والسحر.. والقمر..

رفعت عيني ولكنها تخطتني.. أمعنت النظر إليها، إنها هي.. القامة الممشوقة، المشية الواثقة، الثوب داكن الخضرة الذي يلف جسدها، تبعتها بعيني تسير وسط المقاعد إلى أن وصلت إلى كرسيٍّ خال فجلست.

بارحتني الطمأنينة فغادرت مكاني أحوم حولها، وأحاذر أن تقع عيناها علي.

أتأمل وجهها بسمرته الدافئة والعينين الخضراوين المشعتين، أحس أسىً شفيفًا يتمشى في ملامحها.

غارقة في صمتها، بين اللحظة والأخرى تنظر إلى ساعتها وترسل نفثات من نفاذ صبرها المعهود وأكاد أسمع صوتها الغاضب"لا تدعني أنتظر، قلت ألف مرة إنني أكره الانتظار".

تتحدث إلى جارتها مرة، تشرد أخرى، وأنا أرقبها، أتمنى أن أتشرب كلامها"أيتها الإنسانة الغريبة: لقد أحببتك".

عشرة أعوام منذ افترقنا، وهاأنذا أراك اليوم فتعيدين إليَّ الصبا واللهفة والشوق.. أستعيد صوتها:

-صحيح أننا متحابين ولكن يبدو أن المستقبل لن يكون لنا، ما نختلف فيه أكثر مما نتفق عليه.

-نتقارب.

-شيء ما يبعدني عنك، كنت أظن حبنَا مطلقًا، ولكن في لحظة أحسست أن ما بيننا قد انتهى وأنك لم تعد هذا الإنسان المميز، ولكنك رجل كباقي الرجال.

أيتها المجنونة! وهذا الذي تزوجته أليس رجلًا كباقي الرجال؟.

نسمع إعلان التوجه إلى البوابة، تدب الحركة في القاعة، الجميع يسرع وهي تسير متباطئة وكأن ما يجري لا يهمها. تتقدمني، أكاد أحاذيها فأتأخر، يفصل بيننا بعض المسافرين.

ندخل الطائرة، تقدم بطاقتها للمضيفة، يا لغبائي لو جئت خلفها فربما جلسنا في مقعدين متجاورين وابتسمت للفكرة الطريفة.

جلست في مقعدها، مررت من جانبها، حاولت أن أتلكأ، تمنيت أن تتلاقى نظراتُنا ولكنها لم تنتبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت