بالأمس كان يدور في الشوارع يطلب من الناس أن يحدو لهم نعال أحصنتهم والآن يطلب الناس الإذن للمثول أمامه، بالأمس كان يتلقى رفسات الجياد، الآن يرفس الناس بسطوته وجبروته.
طال الوقت، حميت الشمس، تعاظم القهر، كاد يستدير ليعود إلى بيته ولكن وجه ولده حال دون الرجوع، لعله يضرب... يهان.. وزوجته يا للعار أصبحت سجينة.
لعنك الله يا نجم، لعن الله طموحك القاتل، هذه النار المتوقدة في أعماقك كنت أعرف أنها ستحرقك.
قلت لي في طفولتك:
-سأصبح أغنى رجل في البلد.
فتح الحارس الباب مواربة قال...
-تقطع الطريق وتسلك هذا الممر الطويل، هناك حارس سيوصلك إلى السيد.
أتأمل ماحولي مذهولًا، أتظن نفسك غنيًا يا أبا نجم، هنا الثروة والغنى، أي جنيِّ قد هندس هذا القصر، البناء الشامخ، الشرفات والأفاريز والزخرفات، وهذه الحدائق والمدرجات... معذور عندما دار رأسه، من يصمد أمام الإغراء؟
أدخلت بهوًا هائل الاتساع، ثم انفتح باب قاعة فيه، بان السيد جالسًا في صدر القاعة وحوله رجال كان ابنك واحدًا منهم.
وقفت متصاغرًا وقلت:
-نجم في ورطة.
لو أنصفت لقلت:
-أنت من أوقعته بها.
لكن الكياسة أملت عليك أن تقول:
-أنت صديقه وأخوه الأكبر فساعده على الخروج من محنته.
استمعت إليه يتحدث عن التجارة والأعمال المشروعة وعن جزاء الذين يخرجون عن القوانين السلطانية ويخربون الاقتصاد، انفعل وهو يدافع عن المصلحة العامة.
استمعت إليه، تأملته، لقد أتقن فن الفصاحة والتمثيل إلى جانب التهريب واللصوصية.
نظراتك تقول:
-ألا تخجل.
ونظراته تقول:
-أنت تعرفني، ولكن هل تجرؤ على التصريح؟
من وراء قناع الود تبادلتما سهام كراهية وسخرية، ثم جاء صوته:
-لا تخف يا أبا نجم سأبذل كل ما أستطيع.
وتساءلت إن كان سيبذل كل ما يستطيع لإبقائه في السجن أم لإخراجه منه؟
جاء الرسول إلى والد جلنار، انتظر حتى انصرف الزبائن من المتجر ثم همس في أذنه.
-يريد عشرة آلاف دينار.