فهرس الكتاب
وكانت قصّة وفد نجران بعد هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة للسنة الخامسة لبعثته عليه الصلاة والسلام .وكان سببها البلاء الذي اشتدّ على المسلمين ،و رأى عليه السلام أنّه لا يقدر أن يحمي أصحابه ويمنعهم ممّا هم فيه فقال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكا لا يُظلم عنده أحد.وكان أوّل المهاجرين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد بلغ عددهم بضعا وثمانين رجلا .فما إن وصلوا صدعوا بالحقّ أمام النجاشي ممّا علموا من أمر سيدنا عيسى عليه السلام من القرآن .فما كان من النصارى إلاّ أن أرسلوا وفدًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة.فلمّا سمعوا القرآن وسألوه فاضت أعينهم دمعًا ممّا عرفوا من الحقّ . وهنا يجب أن نتوقّف مليا،لنتأمّل كثيرًا .لم يأت هؤلاء النصارى فارّين بدينهم من أرض الحبشة إلى مكة .بل حدث العكس فرّ المسلمون بدينهم من مكة إلى الحبشة . و لم يزد عدد المسلمين في هذه السنوات الأولى عن مئة رجل،وقد حلّ بهم من البلاء ما حلّ! ... ولم تكن مكة يومئذ سوى قرية منسية في لفح الشمس .لم تكن عاصمة ثقافية كالإسكندرية ،ولا اقتصادية ولا سياسية يُصنع فيها القرار مثل روما ... . وكان هؤلاء النصارى في عزّ ومنعة فما الذي أغراهم في الإيمان برجل لا يجاملُ أحدا في الحقّ ؟ عادى كلّ النّاس من حوله قومه أولا وعلى رأسهم عمه أبو طالب مُجيره .سفّه أحلامهم وعاب آلهتهم وتوعّدهم بنار لظى لا تنطفىء ... .وعادى اليهود ووصفهم بالمغضوب عليهم ... .وحتّى النصارى الذين طلب منهم اللجوء السياسي ،وصفهم بالضّالين لقولهم عن الله بهتانا عظيما بإدعائهم أنّ له ولدًا .فكيف نفسّر إيمان هذا الوفد الذي قطع الفيافي لِيُعاين رجلا لا مال له ولا سلطان ولا قوة ليعلن أنّه رسول الله الموعود رحمة للعالمين؟