فهرس الكتاب
وتحكي سيرته عليه الصلاة والسلام أنّه بقي ثلاثة عشر عامًا في مكة ،لم ير من قومه إلاّ الإعراض و الإيذاء .ولم يزد أتباعه عند جمع من الباحثين عن مئة. فكيف نفسّر إنتشار دعوته بين عشية وضحاها ،كأنّها النار في الهشيم في يوم عاصف،لمّا وصل إلى يثرب؟ لا سِرّ في هذا سوى أن يثرب كانت آهلة باليهود.وكانوا يتوعّدون المشركين بقرب خروج نبي عظيم يقاتلونهم به ويبيدونهم إبادة عاد وإرم،وهو ما حكاه عنهم الذكر الحكيم:"ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين". و الق السّمع لما يقوله رجل من يثرب وهو سلمة بن سلامة قال: كان لنا جار من يهود بني عبد الأشهل،فذكر القيامة و البعث و الحساب والميزان و الجنة والنار ، فقالوا له:ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا ،أن النّاس يُبعثون من بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يُجزَون فيها بأعمالهم قال: نعم ! والذي يُحلف به ، و لَيَودّ أيّ شخص أنّ له بحظه من تلك النار أعظم تنّور يحمونه ثم يدخلونه إياّه فيطبقونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا . فقالوا له: ويحك ! وما آية ذلك ،قال: نبيٌ يبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده إلى مكة و اليمن قالوا: ومن يراه ؟ فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سناّ فقال: إن يستنفذ أي يستكمل هذا الغلام عمره يدركه ،قال سلمة: والله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وهو أي اليهودي بين أظهرنا فآمنا به وكفر بغيا وحسدًا.فقلنا له: ويحك يا فلان ! ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال: بلى ! ولكن ليس به"1 ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-سيرة ابن كثير المجلد 1 ص 293