والواقع أن تفسير قضية النشاط التبشيري الشيعي المتزايد في سورية لا يمكن فهمه بشكل جيد بمعزل عن الأسس السياسية التي حكمت العلاقة بين المجال الديني والفضاء العام في نظام الأسد الأب والأسد الابن، ذلك أن هذه القضية تتعلق أساسًا بهذين العهدين بشكل خاص. فقد تميزت شريحة رجال الدين والمؤسسات الدينية باستقلالها الواضح خلال الحقبة الممتدة بين 1919 - 1963، وبتأثيرها في المجال السياسي بشكل مباشر، وعلى الرغم من التأثير الكبير للخطوة التي وجهها الرئيس حسني الزعيم عام 1949 بإلغاء مؤسسة الوقف التي كانت تمنح الطبقة الدينية ومؤسساتها الاستقلال الاقتصادي، فإن رجال الدين والمؤسسة الدينية بقيت مستقلة وذات نفوذ واسع في المجال العام.
وأدى انقلاب البعث 8 آذار/مارس 1963 إلى دخول الدولة الوطنية في نموذج الدولة الأمنية، الوجه الآخر لجمهورية"الشرعية الثورية"، وفي دولة كهذه ـ حيث تصبح خيوط القيادة ممركزة بيد"قائد المسيرة"و"المجلس الثوري"ـ يصبح وجود أي قوى على الأرض"فاقدًا"للشرعية بشكل تلقائي، ولتثبيت أركان جمهورية الشرعية الثورية (وفق منطق الشرعية الثورية) لابد من تطهير الجمهورية من القوى المناهضة للثورة، وبالتالي يجب القيام بمواجهة شاملة لكل القوى، وعلى وجه الخصوص المؤسسة الدينية"الرجعية".