فهرس الكتاب
وإذا كان هذا شأن المتدينين في خيارهم الديني فإن الأفندية والمتعلمين كانوا يبحثون عن كسر للطوق الديني الطائفي الذي وجدوه في الفكر القومي اليساري (والذي كان منظِّره زكي الأرسوزي، وتأثر به حافظ الأسد) [1] أو حتى الماركسي. وبالنسبة للمجتمع العلوي الذي لم يعهد الكثير من التكاليف الدينية، والذي يتمتع بكثير من الحرية الاجتماعية لم تغرِه حركة الإصلاح الديني، فقد كانت تعني بالنسبة له مزيدًا من الأحكام والقيود الدينية، وهو المجتمع الريفي القصي الذي بهرته أضواء المدن وسحرته حياتها، فبقي التيار الديني الإصلاحي (الشيعي) والتيار التقليدي (النصيري) يتصاراعان [2]
(1) "لجأ الأسد إلى خصم عفلق القديم الفيلسوف زكي الأرسوزي، الذي ألهم الأسد خطاه السياسية الأولى عن طريق الدكتور [الطبيب] وهيب الغانم. وكان الأرسوزي حينذاك متقاعدًا منذ فترة طويلة، إلا أن الأسد أخرجه من عزلته وراح يصحبه معه في جولاته على معسكرات الجيش، وجعله يحاضر في الجنود ويلتقي بالضباط. وقد ابتهج الأسوزي العجوز باهتمام الأسد، فراح يكتب مقالات افتتاحية في صحافة الحزب والجيش، كما أنه أعطى الأسد نفسه لمحات عقائدية كان لها أهميتها في تطوره في ذلك الوقت. وعمل الأسد فيما بعد على تأمين معاش تقاعدي للأرسوزي ظل يتقاضاه حتى وفاته بدمشق في 2 تموز/يوليو 1968".
سيل، الأسد، م.س، ص ص 150-154.
(2) يلخص الشيخ الخيِّر في كتابه"يقظة المسلمين العلويين"هذا الصراع، بالقول:"قامت شبه حركة عداء بين المتجددين (ونعني بهم النابهين من طلاّب المدارس الثانوية والعالية ومن بعض المتعلمين على الشيوخ المسلمين العلويين) وبين المحافظين (ونعني بهم جمهور المشايخ من المتشبعين بالتقليد) وبعض من الشباب الدارسين على الأساتذة العلويين، رجال اليقظة الأولى؛ فقد أنكر المحافظون على المتجددين أمورًا نرتبها بحسب أهميتها كما يلي:"
1.تقديم دراسة العلوم العصرية على دراسة العلوم الدينية، واشتغال بعضهم من أبناء المشائخ بالأدب والسياسة بدلًا من التخصص للتعبد ودراسة الآداب الدينية.
2.انتقاد بعض رجال الدين ومحاولة هدم بعض العادات المألوفة.
3.خروج البعض على الأخلاق وارتكابهم بعض المكروهات العرفية.
4.نظم الشعر العاطفي بدلًا من الشعر الديني.
5.تقليد الأجانب بالأزياء والعادات.
وأنكر المجددون على المحافظين أمورًا منها:
1.إغفالهم دراسة العلوم اكتفاءً بالفقه المذهبي، ورغبتهم عن كل الأعمال الاجتماعية والسياسية تواكلًا على القدر الإلهي.
2.عدم تنظيم الأعمال الدينية بالضرب على يد كل منتمٍ إلى المشيخة وهو لا يفهم منها شيئًا أو لا يتقن عمله فيها.
3.مبالغتهم في التقليد لكل مأثور سواء قلّ حسنه أو بان عدم ملائمته للزمان والمكان.
4.تسرعهم في الحكم على الظواهر والفلتات، وتعميم التهمة إذا عرض من البعض ما يدعو إليها.
5.تعمد العزلة والتقشف بشكل يجعل مظهرهم مستهجنًا.
وتطرف بعض الشيوخ المحافظين في التحمس، فرمى كثيرًا من المجددين بالمروق من الدين، وقابله بمثل تطرفه بعض المتجددين فأعلن عدم صلاح نفر عديد من المحافظين، ورمى هذا النفر بسوء النية والتآكل في الدين والانطواء على غير ما يتظاهر به من تدين وتقوى"."
انظر: الخيِّر، يقظة المسلمين العلويين، م.س، ص. وغالب الظن أن ما يقوله الشيخ عن حالة المجددين في أكثره ينطبق على تيار عودة الفرع إلى أصله الشيعي اليوم، على أنه يأتي في صلب هذا الخلاف ـ وهو الأمر الجديد والأهم ـ قبول العقائد الشيعية وإحلالها محل العقائد النصيرية التقليدية.