فهرس الكتاب
وظاهرة المقامات لدى الشيعة ليست ظاهرة عادية، فالفكر الشيعي يعبد التاريخ وأحزانه ونظرته السوداوية المستمرة للعالم تجعله مهتمًا بالمآسي والأموات أكثر من اهتمامه بالأحياء. وعلى أية حال ما إن انتهى عقد الثمانينات حتى سطا الشيعة على الأوقاف السنية التي تضمنت"مقاماتهم"المكتشفة. وفي هذه المدة بنيت الأضرحة وتم اقتلاع ما يجاورها من أبنية، ففي حي العمارة الجوانية ـ مثلًا ـ كانت البيوتات الدمشقية العريقة في حارة الأشراف (سادة آل البيت السنة) والمجاورة لمقام"السيدة رقية"تتعرض للخراب من أجل إقامة مبنى ضخم لـ"مقام السيدة رقية"، يتضمن مدرسة ومسجدًا كبيرًا، وما انتهى إعماره حتى نهاية عام 1990.
كان حافظ الأسد يراقب عبر أجهزته الأمنية هذه النشاطات عن قرب، وإذا كان الأسد لم يجد في هذه النشاطات ما يؤذي سلطته، فإنه وجد في الوقت نفسه أنه يمكنه الاستفادة منها لدعم سلطته، فالأسد بعد حرب الخليج الأولى أصبح"متفرغًا"لتهيئة خلافته والعمل لها بشكل جدِّي، وإذا أصبحت حركة التشيع مستأنسة، لا تقوم على فكرة تصدير الثورة تلك التي انطلقت بقيام الجمهورية الإسلامية، فإن هذا لا يعني أن أهدافًا سياسية لم تكن في خلد كل من الأسد والملالي الإيرانيين؛ فالأسد يريد استثمار هذه الحالة لتأمين الدعم الشيعي في الطائفة العلوية من جهة، وإيران من جهة أخرى، وفي الوقت الذي كان فيه ملالي إيران يفكرون بزيادة الوجود الشيعي في سورية لتقوية شيعة لبنان وتأمين علاقات اجتماعية تتيح نفوذًا مستقبليًا لهم في البلاد فضلًا عن الدواعي العقدية والتاريخية، كان الأسد ـ في المقابل ـ يفكر بتأمين انتقال سلس لخلافة ابنه"باسل"له، عبر دعم حكومة الملالي في إيران له ودعم"تيار عودة الفرع إلى أصله"الشيعي القوي في الطائفة العلوية.