فهرس الكتاب
ويقول (1) : «العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مُجراة على عمومها على كل حال، وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل والدليل على ذلك بالاستقراء فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة ولم تستثن منها موضعًا ولا حالًا فعده علماء الملة أصلًا مطردًا وعمومًا مرجوعًا إليه من غير استثناء ولا طلب مخصص ولا احتشام من إلزام الحكم به ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام، وأيضًا قررت { ولا تزر وازرة وزر أخري } فأعملت العلماء المعنى في مجاري عمومه وردُّوا ما خالفه من أفراد الأدلة بالتأويل وغيره وبينت بالتكرار أن "لا ضرر ولا ضرار" فأبي أهل العلم من تخصيصه وحملوه على عمومه وأن من سنَّ سنة حسنة أو سيئة كان له ممن اقتدى به حظًا إن حسنًا وإن سيئًا، وأن من مات مسلمًا دخل الجنة ومن مات كافرًا دخل النار.
وعلي الجملة فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه، وأكثر الأصول تكرارًا الأصول المكية كالأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأشباه ذلك، فأما إن لم يكن العموم مكررًا ولا مؤكدًا ولا منتشرًا في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر، فلابد من البحث عما يعارضه أو يخصصه.
وإنما حصلت التفرقة بين الصنفين لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والانتشار صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه بخلاف ما لم يكن كذلك فإنه معرض لاحتمالات فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يعرض على غيره ويبحث عن وجود معارض فيه». أهـ.
(1) الموافقات، ج3 ، ص 306.