فهرس الكتاب
ويقول في "الفتاوى" بعد أن يذكر توحيد الاعتقاد بأنواعه الثلاثة الذات والصفات والأفعال يقول (1) : «وأما التوحيد العملي الذي ذكره الله في كتابه وأنزل به كتبه وبعث به رسله واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا إله إلا الله وهو عبادة الله وحده لا شريك له. إلى أن يقول: والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق في التوحيد وهو أعظم الناس إشراكًا وقال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ } (2) . وقال ابن عباس وعطاء وعكرمة ومجاهد يسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره ويشركون به، ويقولون له ولد، وثالث ثلاثة، فكان الكفار يقرون بتوحيد الربوبية وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون إذا سلموا من البدع فيه ومع هذا كانوا مشركين لأنهم كانوا يعبدون غير الله... فدين الله أن يدينه العباد ويدينون له فيعبدونه ويطيعونه وذلك هو الإسلام له فمن ابتغي غير هذا دينًا فلن يقبل منه. إلى أن يقول: فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته لما قد لبس على الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هى شرك يتنافى مع الإسلام لا يحسبونها شركًا، وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله. فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك.
(1) الفتاوى الكبري، ج5، ص 248 وما بعدها.
(2) يوسف، آية 106.