فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 1848

مثال ذلك أن المرجئة لما عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله أخذوا يتكلمون في مسمي الإيمان والإسلام وغيرهما بطرق ابتدعوها مثل أن يقولوا الإيمان في اللغة هو التصديق والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها فيكون مراده بالإيمان التصديق ثم قالوا: والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان أو بالقلب فالأعمال ليست من الإيمان ثم عمدتهم في أن الإيمان هو التصديق قوله تعالى: { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } (1) . أي بمصدق لنا فيقال لهم اسم الإيمان قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ وهو أصل الدين وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين السعداء والأشقياء ومن يوالي ومن يعادي والدين كله تابع لهذا وكل مسلم يحتاج إلى معرفة ذلك، أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله ووكله إلى هاتين المقدمتين ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق أنه من القرآن، ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أعظم من توافر لفظة الكلمة فإن الإيمان يحتاج إلى معرفته جميع الأمة فينقلونه بخلاف كلمة من سورة فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنيًا على مثل هذه المقدمات ولهذا كثر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم وسلكوا السبل وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات فهذا كلام عام مطلق ثم يقال: هاتان المقدمتان كلاهما ممنوعة فمن الذي قال أن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق وهب أن المعني يصح إذا استعمل في هذا الموضع فلم قلت أنه يوجب الترادف ولو قلت ما أنت بمسلم لنا ما أنت بمؤمن لنا صح المعني لكن لِمَ قلت أن هذا هو المراد بلفظ مؤمن وإذا قال الله: { أَقِيمُوا الصَّلاة } ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، افعلوا الصلاة،كان

(1) يوسف، آية: 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت