فهرس الكتاب
ويقال: عبرت رؤياه وكذلك قوله: { وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } (1) وإنما يقال غظته لا يقال غظت له ومثله كثير فيقول القائل ما أنت بمصدق لنا أدخل فيه اللام لكونه اسم فاعل وإلا فإنما يقال صدقته لا يقال صدقت له، ولو ذكروا الفعل لقالوا ما صدقتنا. وهذا بخلاف لفظ الإيمان فإنه تعدي إلى الضمير باللام دائمًا وإنما لا يقال آمنته قط وإنما يقال: آمنت له كما يقال: أقررت فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق مع أن بينهما فرقًا.
الثاني: إنه ليس مرادفًا للفظ التصديق في المعنى فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة صدقت كما يقال كذبت فمن قال السماء فوقنا قيل له صدق كما يقال كذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهده كقوله طلعت الشمس وغربت أنه يقال: آمنا له كما يقال صدقناه، ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم يقال: صدقناهم وما يقال آمنا لهم فإن الإيمان مشتق من الأمن فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشيء يقال صدق أحدهما صاحبه ولا يقال آمن له لأنه لم يكن غائبًا عنه ائتمنه عليه ولهذا قال: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } ، { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } ، { آمَنْتُم له } ، { يؤمنُ بالله ويؤمنُ للمؤمنين } فيصدقهم فيما أخبروا به مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق.
ولهذا قالوا: { مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } أي لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك فلو صدقوا لم يأمن لهم.
(1) الشعراء، آية: 55.