فهرس الكتاب
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (1) : «الوجه الحادي والعشرون: الكفر أعم من التكذيب: أنه تعالى قال: { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } (2) فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيًا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب ولو كان المكذب الجاحد مع علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق المعلوم ليس هو كذبًا في النفس ولا تكذيب فيها وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به ولا يجد في نفسه خلاف علمه، فإن قيل العالم بالشيء العارف به قد يؤمن بذلك وقد يكفر به كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } (3) . وذلك مثل المعاندين من المشركين وأهل الكتاب، وليس كفرهم لمجرد لفظهم فإنهم أيضًا قد يقولون بألسنتهم ما يعلمونه ولا يكونون مؤمنين مثل ما كان يقول أبو طالب من الإخبار بأن محمدًا رسول الله، ومثل إخبار كثير من اليهود والنصارى بعضهم لبعض برسالته ومع هذا فليسوا مؤمنين ولا مصدقين ومنهم اليهود الذين حاوروه وقالوا نشهد أنك رسول الله قيل الجواب على ذلك هو:
(1) الفتاوي الكبرى، ج5، ص 198 وما بعدها.
(2) الأنعام، آية: 33.
(3) النمل، آية: 14.