فهرس الكتاب
«ولما فرغ المؤلف من باب الوحي لأنه كالمقدمة لهذا الكتاب الجامع شرع يذكر المقاصد الدينية وبدأ فيها بالإيمان لأنه ملاك الأمر كله لأن الباقي مبني عليه ومشروط به وهو أول واجب على المكلف. إلى أن يقول: كتاب الإيمان بكسر الهمزة وهو لغة التصديق وهو كما قال التفتازانى: إذعان لحكم المخبر وقبوله وجعله صادقًا إفعال من الأمن كأن حقيقة آمن به أمنه التكذيب والمخالفة ويُعدي باللام كما في قوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف: { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } (1) أي بمصدق لنا وبالباء كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله... » الحديث. فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول بل هو إذعان وقبول لذلك، بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرَّح به الإمام الغزالي. إلى أن يقول: والإسلام لغة الانقياد والخضوع ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان وذلك حقيقة التصديق كما سبق، قال الله تعالى: { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِين - فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } (2) فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما متحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم أو مسلم وليس بمؤمن ولا نعني بوحدتهما سوى هذا ومن أثبت التغاير فقد يقال له ما حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابت للآخر فقد ظهر بطلان قوله». أهـ.
القول الفصل:
(1) يوسف، آية: 17.
(2) الذاريات، الآياتان: 35-36.