فهرس الكتاب
وطائفة ظنوا أن التوحيد: ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خالق كل شيء وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال، ومن أهل الكلام من أطال نظره في تقرير هذا الموضع إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة وفوات الكمال، وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال، وإما بغير ذلك من الدلائل ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأثبت أنه لا إله إلا هو، وأن الإلهية هى القدرة على الاختراع، ونحو ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله وأنه لا شريك له في الخلق، كان هذا عندهم هو معنى قولنا "لا إله إلاَّ الله" ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد، كما قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } (1) ، وقال تعالى: { قُلْ لِمَنْ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ... } الآية (2) ، وقال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ } (3) قال ابن عباس وغيرهم: تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله، وهم مع هذا يعبدون غيره، وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكنه لا يحصل به كل الواجب، ولا يخلص العبد بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله بل لابد أن يخلص لله الدين والعبادة فلا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه كله لله ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريقة أهل التصوف ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية والفناء فيها هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهن
(1) لقمان، آية: 25.
(2) المؤمنون، الآيتان: 84-85.
(3) يوسف، آية: 106.