الصفحة 149 من 213

ـ ... كَيْفَ اسْتَحَالَ المَجْدُ عَارًَا يُتَّقَى ... وَالمَكْرُمَاتُ مِنَ الرِّجَالِ مَعَايِبَا

وَلِمَ اسْتَبَاحَ"الوَغْدُ"حُرْمَةَ مَنْ سَقَى ... هَذِي الدِّيَارَ دَمًَا زَكِيًَّا سَارِبَا

ـ ... لَقَدْ نَقَّلْتُ مِنْ نَظَرِي ... فَجَاءَ بِغَيْرِ مَا نَظَرِكْ

هَلُمِّي خَالِطِي بَشَرِي ... تَفِرِّي أَنْتِ مِنْ بَشَرِكْ

إن هذا النمط من التقفية يحتاج كحدٍّ أدنى إلى بيتين من الشعر ليتحقق إيقاعه ويتجلّى لسمع المتلقي، فالبيت الثاني الحامل للتقفية الداخلية سيعيد إلى الذهن إيقاع الكلمة التي مرّت في نهاية الصدر من البيت الأول، وهذه حالة تقوي الرابطة الإيقاعية بين البيتين، فلو قُرِئ البيتان منفصلين على سبيل الفرض، لضاعت التقفية الداخلية وتبدّدت قيمتها الإيقاعية.

ويدخل في هذا الصنف من التقفية جميع القصائد التي نُظمت على هيأة الموشح، وقد أُشير إلى ذلك في الجداول الإحصائية الملحقة بهذا البحث.

أمّا النمط الثاني من التقفيات التي تتخذ لها نهاية الشطر الأول موضعًا، وتأتي موافقة للقافية العامة، فهو ما اصطلح عليه النقاد بالتصريع."والتصريع ـ في حقيقته ـ ليس إلاّ ضربًا من الموازنة والتعادل بين العروض والضرب، يتولّد منها جرس موسيقي رخيم" [1] ، يتوخّاه الشعراء للإعلاء من القيمة الإيقاعية لنصوصهم، ولمّا كان"تحسين الاستهلالات والمطالع من أهم شيء في هذه الصناعة، إذ هي الطليعة الدالة على ما بعدها المتنزّلة من القصيدة منزلة الوجه والغُرّة، تزيد النفس بِحُسنها ابتهاجًا ونشاطًا لتلقي ما بعدها" [2] ، فإن النُّقّاد وأهل البصر بالشعر شرطوا لها أن تكون مُصرّعة؛ ورأوا"المُصرّع أدخل في الشعر، وأقوى من غيره" [3] ، فليس من الغريب ـ والحال هذه ـ أن نجد"الفحولَ والمجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخَّونَ ذلك ولا يكادون يعدلون عنه" [4] ، وفي شعر الجواهري نزعة قوية إلى تصريع المطالع [5] فقد بلغت نسبة النصوص المُصرّعة المطالع من العدد الإجمالي لنصوص الديوان (80.86%) ، أمّا إذا استثنينا النصوص التي تقلّ عن عشرة

(1) الشعراء وإنشاد الشعر: 134.

(2) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 309، وينظر: الشعراء وإنشاد الشعر: 137.

(3) العمدة: 1/ 151، وينظر: نقد الشعر: 90.

(4) نقد الشعر: 86. وامتداح التصريع كان سُنّة ماضية لدى القدماء، حتّى إن أبا تمّام مدح أحدهم بأنه سليم الذوق يطرب للبيت الشعري المُصرّع، يقول (ديوان أبي تمّام: 2/ 322) :

وَتَقْفُو إِلَى الجَدْوَى بِجَدْوَى وَإِنَّمَا ... يَرُوقُكَ بَيْتُ الشِّعْرِ حِينَ يُصَرَّعُ

(5) * يمكن التأكد من ذلك بالرجوع إلى الجداول الإحصائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت