فهرس الكتاب
أبيات [1] ؛ أي المقطوعات غير المصرعة الأوائل، ارتفعت النسبة إلى (87.69%) وهي نسبة مرتفعة تدلُّ دلالة واضحة على اهتمام الشاعر بتصريع المطالع، بوصفه معدودًا في جملة المؤثرات الإيقاعية المتحركة ذوات القيمة الجمالية [2] .
وقد ردّ القرطاجنيُّ القيمةَ الجمالية لهذا المظهر الإيقاعي إلى كونه ذا فاعلية في إثارة مجرى التوقع لدى المتلقي، وتحقيق هذا التوقع بحصول التماثل الصوتي بين نهاية الطرفين الصدر والعجز، فإذا لم تتحقق المماثلة قلّ مستوى الانشراح والانفعال الذي يطمح الشعر إلى توليده، يقول:"فإن للتصريع في أوائل القصائد طلاوة وموقعًا من النفس لاستدلالها به على قافية القصيدة قبل الانتهاء إليها، ولمناسبة تحصل لها بازدواج صيغتي العروض والضرب وتماثل مقطعها (كذا) لا تحصل لها دون ذلك" [3] ، فقول الجواهري على سبيل المثال [4] :
كَادَتْ حُجُولُ الدُّجَى تُطْوَى عَلَى الغُرَرِ ... وَأَوْشَكَ النَّسْرُ أَنْ يَهْوِي بِمُنْحَدَر
وقوله [5] :
سَهِرْتُ وَطَالَ شَوْقِي لِلْعِرَاقِ ... وَهَلْ يَدْنُو بَعِيدٌ بِاشْتِيَاق
وغير ذلك من المطالع التي أجرى فيها التصريع، تُحرِّك في المتلقي نازعَ التوقُّع والتطلُّع إلى القافية، ثم تحقّق له اللذة الفنية بمجيء الكلمة الواقعة في نهاية العجز مُوَازِنةً للكلمة الواقعة في نهاية الصدر [6] ؛ ذلك بأن"القافية من خلال موقعها المتميّز في آخر البيت، والتناغُم الصوتي الذي تحتوي عليه تفرض على المتلقي تشابهات صوتية" [7] ، فإذا ما ألحق الشاعرُ قافيةَ العروض بقافية الضرب (القافية الموحّدة) عن طريق التصريع، بلغ التناغم الصوتي منتهاه الدقيق.
وعلى الرغم من أن وظيفة التصريع وظيفةٌ إيقاعية أساسًا تُؤدَّى بالموازنة الصوتية بين كلمتي الضرب والعروض، وبتحفيزه للتوقع لدى المتلقي، فإن وروده في المطلع أو الاستهلال يخلع عليه
(1) عملًا بقول ابن رشيق:"إنهم جعلوا التصريع في مُهِمّات القصائد فيما يتأهبون له من الشعر" (العمدة: 1/ 176) .
(2) المؤثرات الإيقاعية في لغة الشعر: 147.
(3) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 283، وينظر: المثل السائر: 1/ 375.
(4) الديوان: 4/ 115.
(5) م. ن: 5/ 271.
(6) يُسمّي بعضُ الباحثين هذا النوع من الموازنة القائمة على تكرار صوتين أو أكثر ضمن الكلمتين المختلفتين في الوزن"الموازنة الناقصة" (المكوّنات الصوتية للإيقاع وأنماطه في الشعر والنثر: 165) ، في حين يُدرجها آخرُ في الأشكال البديعية المحقّقة للموازنة دون تفصيل في تسمية بعضها بالتام وبعضها الآخر بالناقص (الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية: 23) .
(7) اللغة العليا: 120.