الصفحة 151 من 213

وظيفة أخرى بنائية [1] ، إذ يغدو عنصرًا"من عناصر بناء وتصعيد شاعرية النص وتفجيرها. إنه قطرة الماء الأولى، نُطفته التي بها ينشأ. ومن هنا يكون تسرُّبه إلى الاستهلال والانعطاف مؤديًا لأكثر من وظيفة، وباستحواذه على الاستهلال يستحوذ الاستهلالُ بدوره على القصيدة وينشر سلطته عليها فيما هو ينشرها على سامعها ـ قارئها. وبهذا يكون دالاًّ من دوالِّ الإيقاع" [2] .

ولعلَّ أوضح دلالة للتصريع في المطالع هي دلالته الرامزة المُفضية إلى تعيين جنس النص؛"لأن بنية الشعر إنّما هي التسجيع والتقفية، فكُلّما كان الشعر أكثر اشتمالًا عليه كان أدخل له في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر" [3] ، وصرّح ابن رشيق بالدور الإشاري الذي ينهض به التصريع بقوله:"وسبب التصريع مُبادرة الشاعر القافيةَ ليُعلم في أوّل وَهْلة أنه أخذ في كلام موزون غير منثور، ولذلك وقع في أول الشعر" [4] ، فالتصريع، بهذا المعنى، علامة فارقة بين النص الشعري وسواه من النصوص الأدبية النثرية.

وإذا كانت وظيفة التصريع في مطالع القصائد مُحدّدة ـ على وفق ما تقدّم ـ في القيمة الإيقاعية ودلالتها الإشارية، فما هي وظائف هذه التصريعات الكثيرة التي توفّر عليها الجواهري في غير المطالع [5]

لا شك في أن محاولة الاهتداء إلى قانون شامل يضبط وظائف التصريع لن تسلم من تعسُّف، غير أن إدامة النظر في الأبيات المُصرّعة الواردة في أثناء القصائد تقود ـ دون تعميم صارم ـ إلى إمكانية تصنيفها في أربع مجموعات بحسب ارتباطها بقضايا بنائية أو دلالية أو فنية.

ففي المجموعة الأولى من هذه المجموعات ترتبط ظاهرة إعادة التصريع بطول القصيدة التي تقع فيها؛ أي أنها تشيع في القصائد ذات البناء الطويل، ويمكن إثبات ذلك بالإحالة على

بعض القصائد [6] ، وفي الديوان قصائد أخرى طويلة يغلب عليها النزوع إلى إعادة التصريع [7]

(1) ذلك لأن الاستهلال أصلًا"عنصرٌ بنائيٌّ للنص بكامله، ووظيفته نصية أساسًا؛ لأنه القالب الذي تُصبح أبيات القصيدة مُجْبَرَةً على الخضوع لقوانينه" (الشعر العربي الحديث ـ بنياته وإبدالاتها: 1/ 131) .

(2) م. ن: 1/ 133.

(3) نقد الشعر: 90.

(4) العمدة: 1/ 174.

(5) * وقد بيّنَتْها الجداول الإحصائية بالأرقام الواضحة.

(6) كقصيدة (ستالينغراد) التي صرّع الشاعر منها (11) بيتًا، وقصيدة (المقصورة) التي صرّع (15) بيتًا منها، وقصيدة (اللاجئة في العيد) وعدد أبياتها المصرعة (12) بيتًا، وقصيدة (أنتم فكرتي) وعدد الأبيات المصرعة منها هو (15) بيتًا، وقصيدة (أرح ركابك) وعدد أبياتها المصرعة (16) بيتًا، وقصيدة (أزح عن صدرك الزبدا) وعدد تصريعاتها (12) تصريعًا. ينظر: الديوان: 3/ 53 و203 و4/ 115 و5/ 73 و311 و6/ 209 على الترتيب.

(7) * تنظر: الجداول الإحصائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت