فهرس الكتاب
ولعلّ الإكثار من تصريع الأبيات في القصائد الطِّوال يقوم بوظيفة التنبيه الإيقاعي للمتلقي، ويجدد نشاطه للسماع، بوصف التصريع تصعيدًا إيقاعيًا؛ لذلك كانت القصائد المُتّسمة بالطول أحوج من غيرها إليه، فالقصيدة الطويلة قد تبعث على السأم، ومن هنا تكون بالشاعر حاجةٌ إلى إعادة التصريع لشد المتلقي إلى القصيدة بإيقاع التصريع.
وفي المجموعة الثانية يرتبط التصريع ببدايات القطع الشعرية التي تؤلف بمجموعها القصيدة، فقصائد الجواهري تخضع لتقسيمات داخلية تجعل منها قطعًا مستقلة المعنى في إطار المعنى العام للقصيدة، فكأنها قصائد صغيرة مضمومة إلى بعضها، وكثيرًا ما يرد التصريع في مطالع المقاطع أو الموارد الشعرية، والتصريع في هذه الحالة ذو دور بنائي يُبرز الحدود الدلالية المنتهية للمقطع السابق، ويُعلن عن دخول الشاعر في معنى جديد، وقد أشار ابن رشيق إلى شيء من ذلك في قوله:"ورُبّما صرّع الشاعر في غير الابتداء، وذلك إذا خرج من قصة إلى قصة أو من وصف شيء إلى وصف شيء آخر فيأتي حينئذٍ بالتصريع إخبارًا بذلك وتنبيهًا عليه" [1] ، وشواهد هذا الصنف من التصريع كثيرة جدًّا يكتفي البحثُ بإيراد مثال واحد مع الإحالة على ما له من نظائر في الديوان، ففي قصيدة (يوم الشهيد) أفاض الشاعر في الحديث عن قضية الشهيد وما يتصل بها من معانٍ عمومًا، ثم انعطف بالقصيدة إلى مناجاة أخيه الشهيد (جعفر) ضمن أبيات تحمل في طيّاتها خصوصية في الموضوع، وهو حديث الشاعر عن أخيه الراحل، لكنها لم تخرج عن الخط العام للقصيدة التي موضوعها الشهيد، وقد جاء التصريع لإبراز المنعطف الدلالي، يقول الشاعر في البيت السابع والخمسين بعد المئة والبيت المُوالي له [2] :
أَأُخَيَّ: لَوْ سَمِعَ النِّدَاءَ رُغَامُ ... وَلَوِ اسْتَجَابَ إِلَى الصَّرِيخِ حِمَامُ
مِنِّي عَلَيْكَ تَحِيَّةٌ وَسَلامُ ... وَلِذِكْرِكَ الإِجْلالُ وَالإِعْظَامُ
ولمّا فرغ من الحديث عن أخيه، عاد مرة أخرى إلى الحديث عن (يوم الشهيد) ، مُعلنًا عن عودته هذه بالتصريع:
يَوْمَ الشَّهِيدِ وَنِعْمَتِ الأَيَّامُ ... لَوْ تَسْتَتِمُّ أُخُوَّةٌ وَوِئَامُ
(1) العمدة: 1/ 174، وينظر: الشعراء وإنشاد الشعر: 133.
(2) الديوان: 3/ 280، وينظر: 1/ 391 و493 و497 و517 و521 و2/ 328 و352 و3/ 24 و57 و125 و225 و303 و396 و4/ 43 و95 و122 و134 و196 و219 و229 و288 و299 و5/ 63 و66 و78 و189 و258 و367 و369.