فهرس الكتاب
وفي حالات أخرى يأتي التصريع في نهاية المقطع الشعري ليكون كالخاتمة الإيقاعية له، ومشكلًا حاجزًا جزئيًا بينه وبين المقطع الذي يليه [1] .
أمّا المجموعة الثالثة فإن التصريع فيها يرتبط بدلالة البيت؛ أي أن الشاعر يُصرِّع بيتًا ذا معنى مهم ودلالة استثنائية في سياق الدلالة العامة للقصيدة، ويمكن النظر إلى التصريع في هذه الحالة على أنّه"عاملٌ من عوامل إبراز المعنى وَجَلْوِه لمخيّلة المتلقي" [2] ، ففي قول الجواهري مثلًا [3] :
وَيَا"أَبَا خَالِدٍ"إِنْ يَلْتَهِبْ بِفَمِي ... قَوْلٌ، فَإِنِّي لِكُلِّ الثَّائِرِينَ فَمُ
يَا نَاصِرَ الأُمَّةِ الكُبْرَى وَحَاضِنَهَا ... لا العُجْبُ يَمْلأُ بُرْدَيْهِ وَلا البَرَمُ
وَيَا شَرِيكًَا بِمَا يُزْهَى الشَّرِيكُ بِهِ ... يَلُمُّ نُعْمَى عَلَى بُؤْسَى وَيَقْتَسِمُ
وَيَا فَتَاهَا وَيَا حَامِي فُتُوَّتِهَا ... لا نَالَ مِنْكَ وَلا مِنْ مَجْدِهَا الهَرَمُ
نَاشَدْتُكَ العُرْوَةَ الوُثْقَى بِمَا انْتَفَضَتْ ... بِهِ الشُّعُوبُ، وَمَا صِينَتْ بِهِ الأُمَمُ
أَنْقِذْ فِلَسْطِينَ مَرْدُودًَا بِهَا حَرَمُ ... عَلَى ذَوِيهِ، وَمَرْكُوزًَا بِهَا عَلَمُ
فالأبيات الخمسة الأولى التي يتوجّه بها الشاعر إلى جمال عبد الناصر (أبا خالد) قد خلت من التصريع، إلاّ أن البيت السادس، وهو البيت المحوري، الذي يحتضن ذكر فلسطين وحرمها (المسجد الأقصى) قد جاء مُصَرّعًا؛ وذلك لأهمية هذا البيت الدلالية، فكأن الشاعر لم يمدح عبدَ الناصر ولم يُمجِّدْه إلاّ ليُحرِّضَه على أن يُسارع في إنقاذ فلسطين وتطهير حرمها من الصهاينة، وقد جاء التصريع لإبراز هذا المعنى.
وقد يختزل الشاعر الدلالة العامة للقصيدة في بيت واحد، فيأتي به مُصرّعًا، كما فعل في قصيدته (كردستان) التي يمدح بها الشعب الكردي ويُشيد بنضاله وقيادته، إذ يقول في خاتمة القصيدة [4] :
شَعْبٌ دَعَائِمُهُ الجَمَاجِمُ والدَّمُ ... تَتَحَطَّمُ الدُّنْيَا وَلا يَتَحَطَّمُ
(1) يُنظر: الديوان: 1/ 519 و3/ 55 و262 و270 و330 و4/ 191 و256 و273 و278 و284 و5/ 232 و238 و318.
(2) الشعرية ـ قراءة في تجربة ابن المعتز العباسي: 129.
(3) الديوان: 5/ 254ـ255.
(4) الديوان ط. ل: 4/ 295.