فهرس الكتاب
وفي مثال آخر صرّع الشاعرُ البيتَ الرابع من مقطوعة تتألف من ثمانية أبيات بعد أن صرّع البيت الأول، لدلالة البيت المباشرة على موضوع المقطوعة، وهي مقطوعة نُظمت في الذكرى الرابعة لوثبة كانون، قال في المطلع [1] :
ذِكْرَى تَصِيحُ عَلَى المَدَى آثَارُهَا ... وَتُشَبُّ جَذْوَتُهَا، وَتَذْكُو نَارُهَا
ثم قال في البيت الرابع:
ذِكْرَى سَيَعْلَقُ بِالأَثِيمِ غُبَارُهَا ... وَيَرِفُّ فَوْقَ ثَرَى الشَّهِيدِ عَمارُها
كما أن الشاعر قد يُصرّع أبياتًا تتوفّر على درجة عالية من التوتر العاطفي، فتنشأ عن ذلك أبيات تمثل احتدامات عاطفية على صعيد المضمون تُبرِزُها الضربة الإيقاعية المتجسدة في التصريع، فعندما فُجع الشاعرُ بوفاة زوجه المفاجئ نظم قصيدة صرّع فيها بيتين متتاليين ليُدلّ بذلك على عمق اللوعة، وشدة الحزن، فكأن إيقاع التصريع كان استجابة لإيقاع الذات المفجوعة، أو كأن التصريع كان كالصرخة التي يُطلقها المحزون الذي لا يطيق احتمالًا لما يُكابده [2] :
فِي ذِمَّةِ اللهِ مَا أَلْقَى وَمَا أَجِدُ ... أَ هَذِهِ صَخْرَةٌ أَمْ هَذِهِ كَبِدُ
قَدْ يَقْتُلُ الحُزْنُ مَنْ أَحْبَابُهُ بَعُدُوا ... عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَحْبَابُهُ فُقِدُوا
ومن النصوص الأخرى التي يقترن فيها التصريع بدلالة البيت قول الجواهري [3] :
حُطِّمَتْ آهَةٌ عَلَى حَدِّ أُخْرَى ... وَعَلَى حَدِّهَا تَحَطَّمَ لَحْنِي
فَإِذَا مَا اسْتَعَدْتُهُ فَلأَنِّي ... وَاجِدٌ فِيكَ بَاعِثًَا لِلتَّغَنِّي
فالشاعر يتحدث في البيت الأول عن تتابع الهموم والمكدّرات عليه، حتّى إن شعره الذي كنّى عنه باللحن قد تحطّم من جرّاء ذلك، غيرَ أنّهُ في البيت الثاني يستجمع قواه، ويحاول أن"يستعيد"لحنه الجميل، وأنغامه الأصيلة؛ لأنه في موقف يبعث على التغني، ويحرّك فيه أوتار النغم، وقد قرن الشاعر سعيه لاستعادة اللحن باستعادة التصريع ليدل بذلك على أن قيثارته عاودت نشاطها الدافق استجابة للمثير الدافع إلى القول.
وفي شواهدَ أخرى يأتي التصريع علامة على انتهاء الجملة الشعرية التي قد تمتد على مساحة أبيات عدّة، فيكون بذلك مؤشرًا إيقاعيًا لانتهاء دلالة تلك الجملة، مِمّا يجعل المعنى أجلى للفهم وأوقر في النفس، ومن ذلك قول الشاعر [4] :
أَتَعْلَمُ أَنَّ رِقَابَ الطُّغَا ... ةِ أثْقَلَهَا الغُنْمُ وَالمَأْثَمُ
(1) الديوان: 4/ 109ـ110.
(2) م. ن: 2/ 351، وينظر: الديوان ط. ل: 5/ 373.
(3) م. ن: 5/ 234.
(4) م. ن: 3/ 259، وينظر: 2/ 347 و3/ 184 و5/ 316.