الصفحة 155 من 213

وَأَنَّ بُطُونَ العُتَاةِ الَّتِي ... مِنَ السُّحْتِ تَهْضِمُ مَا تَهْضِمُ

وَأَنَّ البَغِيَّ الَّذِي يَدَّعِي ... مِنَ المَجْدِ مَا لَمْ تَحُزْ"مَرْيَمُ"

سَتَنْهَدُّ إِنْ فَارَ هَذَا الدَّمُ ... وَصَوَّتَ هَذَا الفَمُ الأَعْجَمُ

في هذا النص لا تكتمل دلالة الجملة إلاّ بوجود البيت الرابع المُصرَّع الذي يشتمل على خبر الحرف المُشبّه بالفعل الوارد في البيت الأول، فالتماسك الدلالي الذي وفّرهُ التضمين العروضي جاء متوّجًا بالتصريع ومختومًا به، وبذلك كانت له وظيفة الدالِّ الإيقاعي المُشعِر بانتهاء الدلالة وتمام المعنى.

وأمّا المجموعة الرابعة من الأبيات المصرّعة في غير المطالع، فهي التي يأتي فيها التصريع إكمالًا للموازنة الصوتية الشاملة للبيت كُلِّه، وتتميمًا لها؛ أي أنه يرتبط بمسألة فنية صرفة، ويعسر ـ أو يتعذر ـ إيجاد تفسير دلالي له، ومن شواهد هذه المجموعة قوله [1] :

تَأْبَى الحَضَارَةُ أَنْ يَجْتَاحَهَا أَشِرُ ... وَأَنْ يُذَبِّحَ مِنْ أَبْنَائِهَا بَطِرُ

وَأَنْ تَمُوتَ، لِتَبْقَى طُغْمَةٌ، زُمَرُ ... وَأَنْ تُبَادَ، لِيَهْنَا غَاصِبٌ، أُسَرُ

تلك هي المجموعات الرئيسة التي ينتظم في سلكها أغلب تصريعات الجواهري الواردة في غير المطالع، ولا شك في أن إعادة التصريع والإكثار منه في غير المطالع دليلٌ على قدرة الشاعر الفنية، وقوة طبعه، وكثرة مادته اللغوية، ونقاء حسّه الإيقاعي [2] .

ومِمّا ينتظم في عِقْد الموازنات الصوتية الجناسُ، وهو في تعريف بعض القدماء"أن يتّفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان" [3] ، وقد ذهب الدارسون المعاصرون إلى أن"التوازن هو في الأساس اتفاق الأصوات واختلاف الدلالة" [4] ، وعلى هذا يكون التجنيس أحد أنماط الموازنات الصوتية، وهو من المقوّمات المهمة التي تنهض عليها بنية الإيقاع المتحرك في الشعر، وقد أشار ابن الأثير إلى أهميته ضمن الخطاب الأدبي عمومًا بقوله:"اعلَمْ أنّ التجنيسَ غُرّةٌ شادِخَةٌ في وجه الكلام" [5] ، ولأهميته هذه وقف عنده النُّقّاد والبلاغيون متتبّعين لصوره وأنواعه، ومُجمعين على"أن"

(1) الديوان: 4/ 336. وستأتي شواهدُ أخرى عند الكلام على الموازنات الصوتية التي تتخطّى حدود الكلمات المفردة لتشمل كلمات شطري البيت كلها.

(2) نقد الشعر: 86، والعمدة: 1/ 174، والشعراء وإنشاد الشعر: 132.

(3) الخصائص: 2/ 48.

(4) الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية: 3.

(5) المثل السائر: 1/ 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت