الصفحة 156 من 213

جوهره ينبني على أساس تماثل اللفظين تماثلًا تامًّا أو شبه تامٍّ مع اختلافهما في المعنى، لتمييزه من التكرار القائم على إعادة اللفظ بالمعنى نفسه" [1] ."

وقد استعان الجواهري بفن الجناس في نصوص كثيرة بُغية خلق هيئات إيقاعية تكسو نسيجه الشعري جمالًا ورونقًا، ومن ذلك قوله يخاطب المتنبي [2] :

رَوْعَةُ الحَرْبِ قَدْ خَلَعْتَ عَلَيْهَا ... رَوْعَةً مِنْ نَسِيجِكَ المُتَلاحِمْ

وقوله يصف الطبيعة وبعض حيواناتها المتدثرة بأصوافها [3] :

وَلَفَّهُ وَهَجُ الأَصْوَافِ يُوقِدُهَا ... عَنْ صِرِّ"كَانُونَ"تَنُّورًَا وَكَانُونَا

يُلاحَظ على هذين القولين أن الشاعر قد عمد إلى ذلك النوع من الجناس الذي يدعوه البلاغيون"الجناس التام" [4] ، وذلك بين كلمة (روعة) بمعنى الفزع والخوف و (روعة) بمعنى الشيء المُعجِب في المثال الأول، وبين كلمة (كانون) التي هي الشهر من السنة و (كانون) بمعنى الموقد في المثال الثاني، والجناس في المثالين السابقين، فوقَ ما له من قيمة سمعية ذات مردود إيقاعي، ذو قيمة إيحائية تكمن في دمج الاختلاف الدلالي في سياق التماثل الصوتي، فالاختلاف الدلالي في المثال الأول يكاد يصل حدَّ التضاد، إذ إن إدراك الجمال الرائع وتذوقه في شعر المتنبي الذي يصف فيه الحرب، يُوحي بحالة من الطمأنينة والاستقرار اللازمين لكل من المبدع والمتلقي، المبدع لكي يكون قادرًا على الإبداع، والمتلقي لكي يكون قادرًا على تلمُّس مواطن الجمال، فهي إذن حالة من الاستقرار خارجة من رحم حالة من التوتر (روعة الحرب) . أمّا المثال الثاني فالتضاد الدلالي توحي به كلمة (كانون) الأولى المعبرة عن البرد القارس، وما تدل عليه (كانون) الثانية من شدة الحر لأنها بمعنى الموقد.

ومن الأمثلة التي يلتفُّ فيها الجناس على الطباق قول الجواهري [5] :

لانْجَابَ عُسْرٌ مِنْ فَرَائِسِهِ ... صِيدُ الرِّجَالِ وَلارْتَمَى اليُسْرُ

فالتجنيس بين كلمتي (عُسْر) و (يُسْر) مبنيٌّ على التضادِّ الدلالي، ومثل ذلك تجنيس الشاعر بين كلمتي (نجتَوِي) و (نَجْتَبِي) من قوله [6] :

(1) الإيقاع الشعري في النقد العربي القديم: 210.

(2) الديوان: 2/ 285.

(3) م. ن: 4/ 206.

(4) علوم البلاغة: 297، وفنون بلاغية: 224.

(5) الديوان: 3/ 309.

(6) م. ن: 2/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت