فهرس الكتاب
أَنُلْصِقُ بِالدَّهْرِ مَا نَجْتَوِي! ... وَنَخْتَصُّ نَحْنُ بِمَا نَجْتَبِي؟!
إن التجنيس في هذين البيتين قائم على استحضار الدلالة المضادّة بين كل زوج من الكلمات المتجانسة، بحيث يحرِّك التوافقُ الإيقاعي بين المتجانسين تنافرًا دلاليًا في الذهن، فوظيفة الجناس هنا لا تقتصر على التوقيع الصوتي بما تحمله الكلمات من موازنة، بل يتعدّى ذلك إلى إثارة الخيال عبر تقديم جوّين متضادّين متنافرين.
وسرُّ عناية الشاعر بالجناس الحاضن للطباق آتٍ من قيمته الفنية، حتّى إنه أشار إلى ذلك في نص شعري له [1] ، وحاول مرارًا أن يزيِّن إيقاعه الشعري به، فمن ذلك قوله [2] :
أَيَسْتَوِي حَافِظٌ عَهْدًَا وَلافِظُهُ ... وَمُؤْمِنُونَ بِأَوْطَانٍ وَكُفَّارُ
من الجليِّ أن الجناس الواقع بين كلمتي (حافظ) و (لافظ) في هذا البيت، وفي جميع ما تقدّم من أمثلة، قائمٌ على"إبرازٍ للفرق عبر درجة قُصوى من التشابه؛ أي أنه تعميقٌ للفرق عن طريق تعميق التشابه، وعلى محورين مختلفين للفرق والتشابه (الفرق الدلالي والتشابه الصوتي) . ولأنه كذلك فإن الفجوة: مسافة التوتر فيه أكثر حِدّةً وبروزًا، وهو أكثر خلخلة لبنية التوقعات لدى المتلقي" [3] ، فمن الصعوبة بمكان أن يتكهّن ـ في هَدْي التوقُّع الإيقاعي ـ إلى أن الشاعر سيأتي باللفظ المُطابَق في هيأة الجَناس، وقد يدور بِخَلَدِهِ أن نقيضًا دلاليًا لـ (حافظ) في طريقه إليه، بدلالة قول الشاعر (أيستوي؟) ، ولمّا كان المتلقي محكومًا بإيقاع البحر العروضي ـ وهو هنا البسيط ـ فإنه سيُهيِّئ نفسَه لاستقبال كلمة تحقِّقُ شرطين، الأول هو التضاد الدلالي مع (حافظ) ، والثاني أن تكون الكلمة على وزن (عِلُنْ فَعِلُنْ = مُفاعَلَتُنْ) المتبقي من إيقاع شطر البسيط، وهذان الشرطان قد يتحقّقان في طائفة من الكلمات مثل (وناقِضُهُ، ومُفسِدُهُ، وتارِكُهُ) وغير ذلك من الكلمات التي تُتيحها اللغة والمخزونة في محور الغياب، غيرَ أن الذي وقع عليه الاختيار من لَدُن الشاعر وظهر في محور الحضور هو كلمة (ولافِظُهُ) ، فتحقَّق بذلك شرط إضافي وهو التجانس الصوتي مع (حافظ) ، مِمّا أضفى عليه"صفةَ خرق التوقُّع، وهو خرقٌ إلزاميٌّ" [4] يُصاحِبُ إيقاع الجناس بصورة عامّة.
(1) وذلك في قوله: (الديوان: 5/ 275) :
زَنَامَى يَعْطِفُونَ عَلَى زَنِيمٍ ... كَمَا عُطِفَ الجِنَاسُ عَلَى الطِّبَاق
(2) م. ن: 4/ 266، وينظر: 3/ 88.
(3) في الشعرية: 102.
(4) من جماليات إيقاع الشعر العربي: 361، والمؤلف يُسمّي إيقاع الجناس بـ (إيقاع الدهشة النغمية) تأكيدًا منه على صفة خرق التوقع التي يتّصف بها.