فهرس الكتاب
لا شكّ في أن الكلمات المتجانسة صوتيًا والمتضادّة دلاليًا أقلُّ شيوعًا في اللغة من تلك التي تختلف دلالاتها اختلافًا غيرَ قائم على التضادّ، فليس من الغريب إذن أن تقلّ شواهد الجناس المبني على تضاد دلالي في شعر الجواهري إذا هي قِيستْ بشواهد الجناس المبني على تغاير دلالي، ولَئِن كانت الحال كذلك فباندراج شعر الجواهري في السياق العام للغة التي توفِّر شواهد للجناس المتغاير دلاليًا، وتَضِنُّ في الوقت نفسه بأمثلة للجناس المتضادّ في الدلالة. ومن أبيات الجواهري التي جانَس فيها بين كلمتين دون حصول تضادٍّ دلالي قولُه [1] :
وَالوَحْشُ يَرْبِضُ فِي الثَّنَايَا مُنْذِرًَا ... وَالمَوْتُ جَآرٌ بِهَا زَآرُ
فالجناس بين كلمتي (جآر) و (زآر) يثير في الخيال حالة موحّدة من الرهبة تجاه الموت الذي حاول الشاعر إبراز فظاعته، إذ إن الكلمتين متوافقتان في الإيحاء الذي تبعثانه في النفس، فضلًا عن توافقهما في الإيقاع، فالتوافق في الإيحاء مسنودٌ بتوافق في الإيقاع؛ ولذا"تصبح الكلمات المتجانسة والمرتبة ترتيبًا خاصًّا في الشعر تشكل قاعدة إيقاعية مهمة في تصوير التجربة الشعرية، أو المعنى الأعمق للشعر، ولا يمكن أن تكون مجرد بنية خارجية يمكن للشعر أن يستغني عنها" [2] .
إن كثرة شواهد الجناس في الديوان [3] تُنبئ عن مدى اهتمام الشاعر بهذا المقوّم الإيقاعي، وإذا كانت الأمثلة الآنفة توظِّف إيقاع الجناس في خدمة الدلالة بالدرجة الأولى، فإن بعض الشواهد الأخرى تنزع إلى تشكيل مناطق مُضيئة وحيوية على صعيد بنية الإيقاع، ولعل البيتين الآتيين يوضحان ذلك [4] :
إِيهٍ"عَمِيدَ الدَّارِ"كُلُّ لَئِيمَةٍ ... لا بُدَّ وَاجِدَةٌ لَئِيمًا صَاحِبا
وَلِكُلِّ"فَاحِشَةِ"المَتَاعِ دَمِيمَةٍ ... سُوقٌ تُتِيحُ لَهَا دَمِيمًَا رَاغِبا
إن ورود الكلمات المُجانَسة في هذين البيتين في مواقع محدّدة من بينة الوزن"الذي يُعتبر فضاءً موقعيًّا للموازنات" [5] جعلها أكثر انسجامًا وحساسيةَ إيقاع.
وفي نصٍّ آخر تتّخذ الكلمات المُتجانسة من نهاية الأبيات (منطقة القافية) موقعًا لها، وذلك هو قول الشاعر [6] :
"عَبْدَ الإلَهِ"وَلَيْسَ عَابًَا أَنْ أَرَى ... عِظَمَ المَقَامِ مُطَوِّلًا فَأُطِيلا
(1) الديوان: 4/ 43.
(2) في تشكل الخطاب النقدي: 61.
(3) ينظر: 1/ 202 و348 و371 و2/ 35 و50 و51 و131 و268 و297 و203 و3/ 85 و191 و279 و4/ 14 و83 و260 و5/ 19 و43 و360 و6/ 29 و100 على سبيل المثال.
(4) م. ن: 3/ 398.
(5) تحليل الخطاب الشعري ـ البنية الصوتية في الشعر: 11.
(6) الديوان: 3/ 245، وينظر: 1/ 435 و2/ 338 و3/ 291.