الصفحة 159 من 213

كَرَّمْتَ ضَيْفَكَ يَسْتَثِيرُ جَلالُهُ ... نُطْقًَا، وَيَدْفَعُ قَائِلًا لِيَقُولا

يَا ابْنَ الَّذِينَ تَنَزَّلَتْ بِبُيُوتِهِمْ ... سُوَرُ الكِتَابِ، فَرُتِّلَتْ تَرْتِيلا

ولمّا كان الجناس يشكل"مقوّمًا مماثلًا للقافية، فهو يستفيد، مثل القافية، من الإمكانات اللغوية للحصول على أثرٍ قوامه المماثلة الصوتية، مع فارقٍ هو أن التجنيس يعمل داخل البيت ويُحقِّق من كلمة لكلمة ما تُحقِّقُه القافيةُ من بيتٍ لبيت" [1] ، وعلى هذا فإن النص أعلاه قد حقّق للقافية إمكانات إيقاعية مُضاعَفة بتجانس كل لفظة من ألفاظ القافية مع اللفظة السابقة عليها على المستوى الأفقي، وبتناغُمها مع اللفظة الواقعة في قافية البيت التالي على المستوى العمودي.

وقد يُجانِسُ الشاعر بين كلمة القافية وكلمة أخرى تُناظِرها في الوزن، فيُولِّد بذلك إيقاعًا أكثر رهافة، كما في قوله [2] :

وَنَجْمٌ تَغَوَّرَ مِنْ حُبِّهَا ... وَنَجْمٌ عَلَيْهَا ادَّنَى فَادَّلَى

إن الجناس في هذا البيت، فضلًا عن وقوعه في موقع متميز من الوزن وهو القافية وما قبلها، وقع بين كلمتين متفقتين في الوزن، وذلك ما جعله أثرى بالإيقاع؛ لأن"ورود الجناس في كلمات متناظرة متفقة الوزن يكسبه ميزتين يَعْسُر توفّرهما له بدونه وهما الترديد الدوري وقوة الوَقْع في السمع" [3] .

وإذا كان الجناسُ بين كلمة القافية وكلمة أخرى قبلها في صدر البيت، دخل فيما سمّاه أهل العلم بالشعر"ردّ العجز على الصدر" [4] ، وقرّروا أن له"موقعًا جليلًا من البلاغة، وله في المنظوم خاصّة محلاًّ خطيرًا" [5] ، كما أشاروا إلى قيمته الصوتية المُسهمة في تشكيل الإيقاع، إذ"يكسبُ البيتَ الذي يكون فيه أُبّهة، ويكسوه رونقًا وديباجة، ويزيده مائيّة وطلاوة" [6] ؛ لذلك أكثر الجواهريُّ من استخدامه، ومنه ما يرد في ثلاثة الأبيات التي اختيرت من بين الأمثلة الكثيرة التي يحويها

(1) بنية اللغة الشعرية: 82.

(2) الديوان: 3/ 217.

(3) الإيقاع في السجع العربي: 103.

(4) المثل السائر: 1/ 384، ويجعل ابن الأثير (ردّ الأعجاز على الصدور) فرعًا من فروع التجنيس، إذ ذهب إلى أنه"ضربٌ منه، وقسمٌ من جملة أقسامه"، وفي رأيه هذا شيءٌ من الحصر والتضييق؛ لأن رد العجز على الصدر قد يكون تكرارًا محضًا خارجًا عن حَدِّ التجنيس كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مبحث التكرار.

(5) كتاب الصناعتين: 385.

(6) العمدة: 2/ 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت