فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 176

وممن أحرز قصب السبق في هذا المضمار الحسن البصري، وهو أبو سعيد الحسن ابن أبي الحسن يسار البصري. كان أبوه يسار من سبي ميسان- بلدة بالعراق- سباه الأمير المغيرة بن شعبة مع سيرين أبي محمد بن سيرين، حينما افتتحها في عهد عمر بن الخطاب، ثم صار يسار هذا مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وكانت أم الحسن- وتسمى خيرة- مولاة لأم سلمة زوج النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفي بيتها ولد الحسن سنة 21هـ، وربما غابت في حاجة فيبكى فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجئ أمه، فدرّ عليه ثديها فشربه، فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة اللتين عرف بهما كانتا من بركة ذلك. ونشأ الحسن بوادي القرى، وتلقى الفصاحة عن الأعراب، وسمع عثمان، وروى عن عمران بن حصين وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وجندب وزيد بن ثابت الأنصاري ولما أتم علومه ومعارفه، وظهرت مخايل النجابة عليه، عين كاتبًا للربيع بن زياد الحارثي وإلى خراسان، وأحد فاتحيها لعمر بن الخطاب، ثم شاع فقه الحسن وفضله وتناقل الخلق ورعه ونبله، فتقلب في الأعمال والولايات، مع انتياب مسجد البصرة يعقد فيه مجلسه ليفقه الناس ويذيع فيهم موعظته وحكمته، ويبثهم معارفه وفلسفته، وينشر بينهم دعوته السياسية في تثبيت دعائم الدولة، إلى أن اختاره عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لقضاء البصرة سنة 99هـ، وقال عنه: لقد وليت قضاء البصرة سيد التابعين، وحقًا لقد كان سيد التابعين، وإمام أهل العلم والحكمة والرأي في عصره، وكان من الفصاحة والبلاغة في أعلى مقام مع الزهد والورع، والنسك والتقى، حتى كانوا إذا ذكروا البصرة قالوا: شيخها الحسن، وأنه سيد سمح، وإنه أخطب الناس وأفصحهم، وإن علانيته أشبه بسريرته، وسريرته بعلانيته، وآخذ الناس لنفسه بما يأمر به غيره، ناهيك عن رجل استغنى عما في أيدي الناس من دنياهم، واحتاجوا إلى ما في يديه من أمر دينهم، قيل ليونس بن عبيد: هل تعرف رجلًا يعمل بعمل الحسن البصري؟ فقال: رحم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت