فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 176

وكان عاقبة هذا التنافس انصراف كثير من كبار العلماء عن التصدي إلى إرشاد الناس، وعكفوا على تحقيق المسائل العلمية، قانعين بما كانوا يجدون من اللذة العقلية في الوقوف على دقائق العلوم، مكتفين بمن يعرف فضلهم ويغترف من بحار علمهم بقلوب سليمة، ورغبة صادقة من خواص الطلاب، فأصبح العلم صناعة محصورة بين طبقة خاصة، وتركوا جمهور الأمة لمن يتصدى لإرشادهم من ذوي البضاعة المزجاة، ويا ليتهم مع هذا أحسنوا العمل وأخلصوا في القيام بهذه الوظيفة الخطيرة، بل قاموا يريدون بها الارتزاق، فجرّ ذلك إلى سقوط المنزلة، وانحطاط القيمة، وانصراف الناس عنهم، وضياع روح التأثير والانتفاع، ومن هنا أفلت العامة عن أيدي العلماء، وترفع السادة العلماء من مخالطتهم، وأصبح الفريقان يتلاومون ويتناكرون، فهؤلاء يقولون: ما بال الناس قد ثقل عليها أمر الدين وانصرفت نفوسهم عن الهدى والرشد؟ وأولئك يقولون، أين العلماء العاملون يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ أين حماة الدين يصلحون الفاسد ويقومون المعوج - وزاد الخرق اتساعًا بميل الأمراء والحكام إلى إقصاء ذوي الغيرة من العلماء فرارًا من قيودهم الضيقة"في زعمهم"ولكيلا يزاحموهم في المكانة التي استأثروا بها، فأبعدوا المخلصين الصادقين في التمسك بالدين، وقرّبوا المتزلفين المتساهلين المسهلين لهم رغائبهم؛ المسارعين إلى هواهم، فزاد هذا في انزواء العلماء العاملين منكبين على ممارسة العلوم، منهمكين في أنواع العبادة واجدين لذلك من اللذة الروحية ما أنساهم زخرف هذه الحياة، وشغلهم عن التعلق بحطام الدنيا، حتى استلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحشه المنعمون، قال قائلهم:"نحن في لذة لو علمتها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت