فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 176

ولقد كان الإقبال على الدعاة؛ والتعلق بالمرشدين موجودًا في كل عصر، على قلته وعدم وفائه بحاجة الأمة، وكان الناس يعزرون العلماء ويوقرونهم، ويقرون لهم بمنزلة خاصة لما يعرفون لهم من علم وعمل، ويعتقدون فيهم أنهم حفظة الدين وحراسه، ولا زال أمر الإرشاد يتراجع إلى الوراء؛ حتى لم يبق منه اليوم إلا اسمه، ولم يعرف منه الآن إلا رسمه، والأمة تتدهور في أخلاقها وتتأخر في معلوماتها، حتى ضلت سواء السبيل، وجارت من حيث لا تدري عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاهت في تيه الهوى، وترددت في مهاوي الردى، وأصبح المعروف منكرًا، وصار المنكر معروفًا، كل ذلك من سكوت رجال الدين وتساهل المصلحين وإهمال الحكام في تنفيذ أوامر الدين.

ولو أن رجال الدين وجهوا شطرًا من عنايتهم إلى النظر في أمراض الأمة وساروا في العمل على مداواتها بحزم وحكمة، لكانت الأمة اليوم صحيحة في عقائدها، صالحة في أعمالها، قويمة في عاداتها، متينة في أخلاقها، بصيرة في أمر دينها، سليمة من الزلل، بعيدة عن مواقع الخطر، وإذا كانت علل تدهور الأمة في آدابها وتأخرها في أمر دينها إنما نشأت من إغفال تعليمها وتهذيبها، وإهمال إرشادها إلى الخير وتحذيرها من الشر، فسبيل إنقاذها من سقطتها وخلاصها من ورطتها بيّن واضح، وسهل قريب - وهو أن يبصر السادة العلماء هذا الخطر المحدق بالأمة ويدركوه كما هو، ثم ينشطوا في الدعوة إلى الخير، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويغرسون الفضيلة في نفوس الأمة، خصوصًا الناشئة من أبنائها وبناتها- وهذا وحده هو سبيل سعادتها وفلاحها؛ إذا أحببنا أن نكون من السعداء المفلحين، وهذا - دون سواه- طريق خلاصها من الشقاء ونكد العيش إن رغبنا أن نكون سادة آمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت