فهرس الكتاب
فعَرفتُ الحَزْمَ والصّبرَ سبيلًا للكمالْ
في الثلاثينات مِنْ عمري حَمَلْتُ البُندقيّة
وتَحمّلتُ كثيرًا من عناء العَسْكرية
كُنْتُ فيها كالغيارى لا أرى إلاّ القَضيّة
يَوْمَ كانَ الشعبُ يسقى بالقنا والمَشْرفيّة
كُلّ مَيْدانِ فِداء مِنْ ميادين القتالْ
في الثلاثيناتِ مِنْ عُمري رَفَضْتُ المُستحيلا
وتَمرّدتُ على الظّالم يَغْزونا دَخيلا
سالكًا بالقهْر والعُنفِ لما يبغي سبيلا
لا يَرى في جوره الآثم ما يَشفي غليلا
عِندها أيْقَنْتُ أنّ النّصر في حَدِّ النّصالْ
هذه السِّنُّ من العُمْر هي السَِن الغَنيّة
بالطّموحات وبالإقدام والنّفسْ الأبيّة
فهي دُنيا من شُموخٍ وفِداء وحَميّة
واندفاع لَيْسَ تَثْنيهِ عن القصْد المَنِيّة
إنّها سِنُّ التّصدّي لأفانين المُحالْ
وإذا ما لاحَ للإنسانِ فَجْرُ الأربعينْ
وبَدَتْ لمتهُ بيضاء مِثْلَ الياسَمينْ
نَضجَ الفِكْرُ وشدّ القَلْبَ للحُبِّ الرَّصين
لَمْ يَعُدْ يُغْريهِ ما يُغري الشبابَ الطائشينْ
إنّما أغراهُ مكنونٌ لأسْرار الجَمالْ
هذهِ السّنُّ لها مِنْ كُلّ ذي عَقْلٍ تَحيّة
فهِي سِنُّ الوحْيَ والإصغاء للذاتِ العَليّة
فمِنَ الغَارِ تبدّى النّورُ يَهْدي البَشريّة
فَأَزالَ الشِّركَ وانجابَ ظَلامُ الجاهِليَّة
وهدى الله الورى للحقِّ من بعد الضّلالْ
برجُك العالي هو الأخلاقُ تزهو بالوفاء
لا صروح من جحودٍ ونفاقٍ ورياءْ
فافعل الخير ولا تبْغِ من الناس الجزاءْ
واتّقِ الله وساعدْ ما استطعْتَ الضّعفاء
نحنُ ماضون ولا ندري إلى أين المآلْ
نحنُ ماضون إلى موتٍ وبعثٍ ونشورْ
ورحيلٍ عن ديارٍ ومَتاعٍ وسرور
ندعُ الدنيا وما فيها ونأوي للقُبور
بعد أنْ عشنا حياةً لفّها ثوبُ الغرورْ
فانتبهْ يا أيها الإنسانُ فالعيش زوالْ
فهنيئًا لامرئٍ قد كان للخير مثالا
عاشه فعلًا ولا يرجُ ثوابًا أو نوالا
وكفافُ العيش يُرضيه ولا يبغي سؤالا
هامُه لا ينحني إلاّ إلى الله تعالى