فهرس الكتاب
والحق أن الحياة السياسية عند اليونان والرومان كانت أعظم مشجع على ازدهار الخطابة السياسية، لأنها كانت الوسيلة الوحيدة للاتصال بالشعب، ولأن المهن التي تشغل الناس في أيامنا هذه وتستنفد جهودهم كالصناعات والطب؛ كانت عند اليونان والرومان من أعمال الأرقاء، أما الأحرار فقد كان هدفهم الوصول إلى الوظائف العامة، والمشاركة في الحكم.
وفي العصر الحديث عظم شأن الخطابة في الحكومات الديموقراطية النيابية كإنجلترا وفرنسا.
والعصر الحديث عصر الخطابة السياسية، لكثرة الأحزاب المختلفة في وسائلها وغاياتها، المعتمدة على الخطابة في إقناع الجماهير بصواب الحزب وابتغائه الخير للأمة، وفي استمالتها إلى نصرة الحزب وتأييده، وفي تفنيد برامج الأحزاب الأخرى وانتقاص أعمالها, ثم لقوة اتصال الأمم, فقد ألغت وسائل الاتصال المسافات, وربطت العالم ربطًا تنجم عنه مشكلات دولية ومؤتمرات لدراستها وحلها, والمؤتمرون يتسلحون بالخطابة وتأثيرها, ثم لانتشار الحكومات الديمقراطية والمجالس النيابية وفيها يتواصل الخطباء, ثم ليقظة بعض الشعوب التي كانت في سبات وتطلعها إلى حياة راقية كريمة, على أن الوعي القومي نضج عند بعض الأمم, وكاد ينضج في بعضها, وهذا من شأنه أن يوقظ الناس إلى حقوقهم فتزدهر الخطابة.
3-من خطبة لسعد زغلول في 19 سبتمبر سنة 1923م.